أستاذة الأجيال.. رشيدة كزى صغير: حين يصبح الفصل الدراسي بستانا للحرف والقيم

أستاذة الأجيال.. رشيدة كزى صغير: حين يصبح الفصل الدراسي بستانا للحرف والقيم
العربية.ما / محمد شيوي

أستاذة الأجيال.. حين يصبح الفصل الدراسي بستانا للحرف والقيم

في المدن العتيقة حيث تتجاور الذاكرة والحاضر، وتختلط رائحة الطين القديم بإيقاع الحياة الجديدة، تظل هناك أسماء لا تمر مرور العابرين، لأنها اختارت أن تكتب سيرتها في وجدان الناس لا على الجدران. ومن هذه الأسماء الأستاذة رشيدة كزى صغير، مدرسة اللغة العربية بالسلك الابتدائي بمؤسسة العمراني للتعليم الخصوصي بمراكش، التي ما زالت منذ أكتوبر 2002، أي منذ أكثر من عقدين، تعلم الصغار كيف يمسكون الحرف، وكيف يمسكون معه معنى الإنسان.

حين تعود الأستاذة بذاكرتها إلى يومها الأول، تقول إنها لم تشعر أنها “تلج باب مؤسسة تعليمية فحسب”، بل تدخل فضاء سيصير مع مرور الزمن جزءا من حكاياتها الإنسانية والمهنية. فقد وجدت في المؤسسة بيئة تحتضن البدايات، وتمنح العطاء روحا تتجاوز حدود الواجب اليومي. ولم تكن تتخيل يومها أن تلك الوجوه الصغيرة ستعود بعد سنوات أبا وأما، يحملون أبناءهم إلى المؤسسة نفسها. هناك أدركت أن المدرسة ليست مكانا نعبره، بل جذور نغرسها في الآخرين، ثم نراها تنمو وتثمر حتى بعد أن نبتعد عن ظلالها.

وتحمل الأستاذة إجازة في اللغة العربية وآدابها، وقد مارست التدريس في مستويات مختلفة، لكن قلبها استقر عند السلك الابتدائي. ففيه، كما تقول، تتشكل ملامح علاقة الإنسان بنفسه، فهي لا تعلم الطفل الحروف فقط، بل تساعده على اكتشاف قدراته وبناء ثقته بنفسه والتمييز بين الصواب والخطأ. وتحب هذا السلك لأنه يمنحها فرصة ملامسة اللحظات التي تتحول فيها الحيرة إلى فهم، والخوف إلى جرأة، وتؤمن بأن الكلمة الطيبة التي تقال للطفل في سنواته الأولى قد تمتد معه طيلة حياته.

وفي زمن غلبت فيه الشاشات والهواتف على عقول الناشئة، لا ترفع الأستاذة راية الخصومة مع العصر، فهي ترى أن التعامل مع الشاشات لا ينبغي أن يكون معركة رفض، بل توجيها واستثمارا. وسلاحها في ذلك الحكاية والقراءة التعبيرية والمسابقات والتشجيع على الإبداع والكتابة، لتجعل من العربية “تجربة تعاش لا مادة تحفظ”. فالضاد، في نظرها، لا يحتاج إلى من يشدد عليه بقواعده الجافة، بل إلى من يحببه إلى قلوب الصغار.

وحين يطرق باب فصلها اليوم طفل لأب كان تلميذها بالأمس، يلتبس عندها الحنين بالامتنان، وكأن الزمن يعود بها إلى الوراء، ليضع أمامها ثمرة سنوات من العطاء، وهو شعور تصفه بأنه يصعب وصفه. وتقول إن أجمل ما يتركه الأستاذ وراءه ليس درسا محفوظا ولا شهادة معلقة، بل أثرا طيبا يطمئن به من تعلم عنده فيأتمنه على أبنائه. وعن الكلمة التي تتمنى أن تظل راسخة في وجدان كل تلميذ يغادر فصلها، تتحدث بهدوء من خبر الأرواح الصغيرة: أن يغادر كل متعلم وهو يشعر بأنه قادر، وأن الخطأ ليس نهاية الطريق بل بداية فهم جديد، وأن يتذكر دائما أنه كان جديرا بالحب والاحترام.

أما سر بقاء الشعلة متقدة بعد كل هذه السنين، فتختزله في ثلاث: محبة المهنة، والخوف والاستحياء من الله أثناء تأدية الواجب، والإيمان بأن أثر التربية قد يتأخر ظهوره لكنه لا يضيع. وللأساتذة الشباب الذين يخطون خطواتهم الأولى توصي بألا يسمحوا لضغط المهنة بأن ينتزع منهم إنسانيتهم، وبأن يستحضروا مراقبة الله في كل عمل. ثم تجمل خلاصة تجربتها في أربع قيم: الصرامة في المبادئ، والرحمة في التعامل، ومسايرة المستجدات، والتواضع أمام مسؤولية التعليم. وتختم بصورة بليغة: كلمة الأستاذ ينبغي أن تكون “جسورا نحو الثقة لا جدرانا من الخوف”.

وحين فتحنا لها باب سؤال لم نطرحه، اختارت أن تطرح هي سؤال المؤسسة والمجتمع: كيف يمكن للمؤسسة أن تحافظ على القيم الإنسانية في زمن تتصارع فيه التحولات وتتزايد فيه التحديات؟ سؤال المربية التي لا تنشغل بنفسها بقدر انشغالها بما سيبقى بعدها.

وقد تنسى الذاكرة الدروس والتواريخ، لكنها لا تنسى المعلمة التي علمتنا أن الخطأ بداية فهم وأننا جديرون بالاحترام. وبين سبورة قديمة وصغار صاروا آباء، تواصل الأستاذة رشيدة كزى صغير كتابة سيرتها بحبر لا يجف. فلها من مؤسسة العمراني وتلاميذها وأوليائهم ومن كل من مر بقسمها، تحية تقدير وعرفان.

Exit mobile version