العربية.ما / محمد شيوي
أوريكة.. غلاء فاحش واستغلال مقيت
بين أحضان الأطلس الكبير، حيث تتنفس الجبال كبرياء، وينساب الوادي كشريان حياة يروي تفاصيل النقاء، تقف أوريكة شاهدا على جمال أسطوري حباها الله به، وعلى طيبة أهلها الأصليين الذين ورثوا عن أجدادهم الترحاب وطلاقة الوجه وحسن القرى. غير أن هذا الفردوس الصغير، الذي طالما كان ملاذا للهاربين من هجير المدن وضغوط الحياة، بات اليوم يئن تحت وطأة واقع مرير أفسد صفاء مياهه وزرعة جباله.
لقد تحولت أوريكة في الآونة الأخيرة إلى ما يشبه “صفيحا ساخنا” تتجاذب أطرافه التدوينات والفيديوهات على منصات التواصل الاجتماعي؛ بين زوار يصرخون من غلاء فاحش واستغلال مقيت، وبين أصوات محليين مخلصين يعتصر قلوبهم الألم وهم يرون سمعة بلداتهم تتمرغ في طين الجشع. ليست القضية مجرد حسابات مالية أو دراهم معدودة تقتطع من جيب زائر، بل هي أزمة أخلاقية وإنسانية تمس عمق مفهوم الضيافة المغربية الأصيلة.
تخيل رب أسرة بسيطة، يقود أطفاله بشوق نحو الوادي، يبتغي ساعة من السكينة والطمأنينة، ليصطدم بأسوار وهمية من الاستغلال ترتفع عند كل خطوة. بدءا من “حراس الطرقات” الذين يفرضون إتاوات عشوائية على مواقف السيارات، مرورا بمقاهي احتلت الملك المائي بغير حق، وصار الجلوس فيها على ضفة الوادي المباح للجميع مشروطا بأسعار خيالية، وصولا إلى من يساوم الزائر حتى على حقه في أن يمتع جسده بماء النهر البارد!
إن هذا الفوضى العارمة تتسلل ببطء لتقضي على روح أوريكة الجميلة. والمؤلم في هذا المشهد ليس فقط جشع فئة استمرأت امتصاص دماء الزوار، بل ذلك الشروخ الذي يسببه هذا السلوك في صورة أهل المنطقة الحقيقيين؛ أولئك الساكنة الأبرياء الذين يختزنون في قلوبهم طيبة العالم، ويجدون أنفسهم اليوم ضحية لممارسات قلة تجار المناسبات، يسوؤهم ما يجري ويتحسرون على زمن كان فيه الغريب يستقبل بالترحاب لا بالحيلة.
وأمام هذه التجاوزات الصارخة التي تسير على مرأى ومسمع الجميع، يطرح الشارع المغربي سؤالا عريضا ومؤلما: أين هي السلطات المعنية؟ أين هي أعين المراقبة التي يجب أن تحمي المواطن والسائح من هذا النهب المنظم؟ إن غياب الحزم وتجاهل تطبيق القانون في تنظيم الملك العمومي وضبط الأسعار هو ما فتح الباب على مصراعيه لهؤلاء المستغلين ليعيثوا في المكان فوضى، وكأن المنطقة باتت خارج حدود التنظيم والرقابة.
إن إنقاذ أوريكة ليس حربا ضد المنطقة كما يحاول البعض الترويج له، بل هو أسمى صور الحب لها. الحب الحقيقي لا يعني التغطية على الجراح، بل الاستماتة في تطهيرها. أوريكة تستحق أن تعود كما كانت: مأوى للدفء والطبيعة والكرامة، لا ساحة للاستنزاف. ولن يتحقق ذلك إلا بوقف هذا الجشع، واستعادة الملك العمومي لسحر الطبيعة، وتدخل حاسم ينصف الزائر، ويصون كرامة ابن أوريكة الأصيل الذي لا يرضيه أن تباع سمعة وطنه ببعض الدراهم الزائلة.
