ارحموا عزيز قوم ذل.. حين يصبح المدير الإقليمي للصحة بطاطا في مرمى العاصفة، وتُنسى حدود المسؤولية والإمكانيات!

ارحموا عزيز قوم ذل.. حين يصبح المدير الإقليمي للصحة بطاطا في مرمى العاصفة، وتُنسى حدود المسؤولية والإمكانيات!
العربية.ما - طاطا

ما إن أسدل الستار على الاستحقاقات الانتخابية بإقليم طاطا، حتى عاد قطاع الصحة إلى واجهة النقاش العمومي، محمّلا بأسئلة موجعة ووقائع مؤلمة، سرعان ما تحولت في بعض المنابر إلى محاكمة مفتوحة في وجه المدير الإقليمي للصحة والحماية الاجتماعية؛ ارحموا عزيز، وكأن الرجل وحده يتحمل أوزار منظومة صحية تتجاوز حدود اختصاصاته، وتختزل سنوات من الإكراهات البنيوية في شخص مسؤول إقليمي وجد نفسه في مواجهة عاصفة من الانتقادات.

وبينما لا يمكن مصادرة حق الأسر في التعبير عن ألمها، ولا التقليل من فداحة فقدان الأرواح، يظل الإنصاف يقتضي التمييز بين المسؤولية التدبيرية والمجهود الميداني، وبين ما يدخل ضمن صلاحيات الإدارة الإقليمية وما يرتبط بقرارات وإمكانات مؤسساتية جهوية ومركزية. ارحموا عزيز قوم ذل.. فالإنصاف لا يعني تبرئة الاختلالات، كما أن المساءلة لا تعني إهدار كرامة من يشتغلون في الميدان.

ولعل ما يستحق التوقف عنده، في خضم هذا الجدل، هو التوضيحات التي قدمها المدير الإقليمي للصحة والحماية الاجتماعية، مؤكداً أن الأطر الطبية والتمريضية بذلت مجهودات كبيرة في التطبيب والعناية بالمرضى والتنسيق مع المؤسسات الاستشفائية المختصة، كما نفى بعض المعطيات المتداولة بشأن حالة المريض الذي قيل إنه تعرض لبتر رجله، موضحاً أن المديرية وفرت سيارة إسعاف لنقله إلى مستشفى الشيخ السعدي. وهي معطيات تستحق أن تُقرأ بموضوعية، بعيداً عن منطق التشكيك المسبق أوتحويل كل توضيح إداري إلى محاولة للتنصل من المسؤولية. فليس من المهنية أن نطالب المسؤول بالتوضيح ثم نحاكمه قبل الاستماع إليه، وليس من الإنصاف أن تُمحى مجهودات الأطر الصحية لمجرد أن المنظومة لم تستطع، في حالات معينة، تحقيق النتيجة التي انتظرها الجميع.

أما فاجعة السيدة المنحدرة من منطقة إكضي، التي فارقت الحياة عقب تعرضها للدغة أفعى، فقد أعادت إلى الواجهة مأساة البعد الجغرافي وصعوبة التكفل بالحالات الحرجة في الأقاليم النائية. وبين رواية الصفحات الفايسبوكية بشأن بقائها بالمستشفى الإقليمي لمدة ثلاثة أيام، وما أثير حول تعذر استقبالها بالمستشفى الجهوي الحسن الثاني بأكادير بسبب عدم توفر سرير، تبرز ضرورة فتح تقييم طبي وإداري دقيق لمسار التكفل والإحالة، وتحديد المسؤوليات بناء على الوثائق والمعطيات الرسمية، لا على الانطباعات وحدها. إن وفاة إنسانة واحدة كافية لتستوجب مراجعة مسار العلاج بكل جدية، لكنها لا تبرر اختزال منظومة كاملة في شخص المدير الإقليمي، ولا تجعل من الأطر التي باشرت العلاج خصماً للمواطنين. فالواجب اليوم هو كشف الحقيقة كاملة، وإنصاف الأسرة، وصون كرامة العاملين، وتحديد مكامن الخلل دون انتقائية.
وإذا كان من حق الرأي العام أن يسائل الإدارة الإقليمية، فمن حق هذه الأخيرة أيضاً أن تجد من ينصف مجهوداتها ويضع مسؤولياتها في حجمها الحقيقي. فالمدير الإقليمي ليس وزيراً للصحة، ولا يملك بمفرده إحداث أسرة للإنعاش أوفتح مصالح استشفائية جامعية أوتجاوز محدودية الموارد البشرية والتجهيزات، كما أن تدبير الإحالات بين المؤسسات الصحية يخضع لمسارات تنسيق تتجاوز أحياناً القرار المحلي.
ومن الظلم أن يتحول المسؤول الإداري إلى عنوان وحيد لغضب مشروع من اختلالات تراكمت عبر سنوات، بينما تظل الأسئلة الكبرى معلقة حول العدالة المجالية في توزيع الأطباء والتخصصات، والطاقة الاستيعابية للمستشفيات المرجعية، ووسائل النقل الطبي الاستعجالي. فإنصاف المدير الإقليمي لا يعني إغلاق باب المحاسبة، بل يعني توجيهها نحو المسؤوليات الفعلية، حتى لا يصبح من يواجه الإكراهات يوميا كبش فداء لاختلالات أكبر منه.

لقد انتهت الانتخابات، لكن معركة الحق في العلاج لا تنتهي بانتهاء الحملات، ولا ينبغي أن تتحول مآسي المرضى إلى مادة للمزايدات أوتصفية الحسابات. وطاطا اليوم في حاجة إلى تضامن مؤسساتي حقيقي، وإلى تقييم شفاف للحالات التي أثارت الجدل، وإلى تدخل الجهات الوصية لتقوية العرض الصحي وضمان مسارات إحالة فعالة تحفظ حياة المرضى وكرامتهم.
وبين وجع الأسر ومجهودات الأطر الصحية، تبقى الحكمة في ألا نكسر من يشتغلون في ظروف صعبة، وألا نعفي المؤسسات من واجبها في الإصلاح. “ارحموا عزيز قوم ذل..” فالمدير الإقليمي، قبل أن يكون عنوانا للانتقاد، هو مسؤول ينبغي أن يُحاسب بإنصاف، ويُقيّم بموضوعية، وتُصان كرامته ما دام يؤدي واجبه. أما طاطا، فلا تحتاج إلى كبش فداء، بل إلى منظومة صحية تنصف أبناءها، وتمنح المريض حقه في العلاج دون أن تكون المسافة حكماً على مصيره.

Exit mobile version