في إطار النقاش العمومي المتواصل حول سبل تنزيل الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، تم تنظيم لقاء تواصلي علمي من طرف جمعية دار الكرم بشراكة مع المركز المغربي للدراسات الإستراتيجية والأبحاث المتقدمة بمدينة القنيطرة، خُصص لموضوع:
«التنمية الترابية المندمجة: الجيل الجديد من برامج التنمية ودور الإعلام والمجتمع المدني في تفعيل النموذج التنموي الجديد»، وذلك بحضور فاعلين جمعويين، ومهتمين بالشأن التنموي.
وقد أطر هذا اللقاء هشام مداحي، باحث في قضايا الإعلام ورئيس المركز المغربي للدراسات الاستراتيجية والأبحاث المتقدمة، حيث قدّم عرضًا تأطيريًا شاملاً، انطلق فيه من المرجعيات الكبرى التي تؤطر ورش التنمية الترابية بالمغرب، وعلى رأسها التوجيهات الملكية السامية، خاصة ما ورد في خطاب عيد العرش، والدعوة الصريحة إلى عدم القبول بمغرب يسير بسرعتين، وإلى اعتماد جيل جديد من برامج التنمية المرتكزة على العدالة المجالية والاجتماعية.
منطق جديد للتنمية الترابية
وأكد المتدخل أن الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية لا يتعلق فقط بإطلاق مشاريع إضافية، بل يقوم أساسًا على تحول في العقليات والمنهجيات، والانتقال من المقاربات القطاعية المجزأة إلى مقاربة مندمجة تقوم على الالتقائية، والتدبير المبني على النتائج، وربط المسؤولية بالمحاسبة، مع جعل المواطن في صلب السياسات العمومية.
وأوضح أن هذا التوجه هو نتيجة لمسار تراكمي انطلق منذ المفهوم الجديد للسلطة، وتعزز مع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وورش الجهوية المتقدمة، واللاتمركز الإداري، وصولًا إلى النموذج التنموي الجديد، الذي جعل من المجال الترابي رافعة أساسية للتنمية وليس مجرد فضاء إداري.
رهانات التشغيل والخدمات والعدالة المجالية
وتوقف هشام مداحي عند السياق الاقتصادي والاجتماعي الوطني، مبرزًا أن ارتفاع معدلات البطالة، خاصة في صفوف الشباب والنساء، واتساع الفوارق بين الجهات، يفرضان إعادة توجيه برامج التنمية الترابية نحو التشغيل، وتحسين الخدمات الاجتماعية الأساسية، والتدبير المستدام للموارد المائية، والتأهيل الترابي المندمج، مع إيلاء عناية خاصة للمناطق القروية والجبلية وشبه الحضرية.
كما شدد على أن العدالة المجالية لا يمكن أن تتحقق دون إعادة التفكير في عدالة الإنفاق العمومي، وضمان توزيع منصف للاستثمارات بين مختلف المجالات الترابية، وفق تشخيص دقيق للحاجيات والمؤهلات.
الإعلام والمجتمع المدني: من التتبع إلى الشراكة
وفي محور خاص، أبرز المؤطر الدور المحوري لكل من الإعلام والمجتمع المدني في إنجاح هذا الورش الاستراتيجي، موضحًا أن الإعلام مطالب اليوم بالانتقال من منطق تغطية الحدث إلى إعلام الأثر التنموي، القادر على تفسير السياسات العمومية، ومواكبة المشاريع، وتثمين المبادرات المحلية الناجحة، والمساهمة في بناء وعي جماعي قائم على الحقوق والواجبات.
أما المجتمع المدني، فقد اعتبره المتدخل فاعلًا أساسيًا في التشخيص الترابي، والتأطير، والترافع، والتتبع والتقييم، باعتباره الأقرب لواقع الساكنة، والقادر على لعب دور الوساطة بين المواطن والمؤسسات، بما يعزز الثقة ويقوي الديمقراطية التشاركية.
نحو حكامة ترابية فعالة
واختتم اللقاء بالتأكيد على أن نجاح الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة رهين بتبني حكامة ترابية فعالة، تقوم على التنسيق بين مختلف المتدخلين، وتثمين الرأسمال البشري والطبيعي، وإشراك حقيقي للإعلام والمجتمع المدني، إلى جانب الحاجة إلى جيل جديد من الكفاءات والنخب الترابية القادرة على مواكبة هذا التحول.
وقد شكّل هذا اللقاء مناسبة لفتح نقاش مسؤول حول سبل تنزيل التنمية الترابية المندمجة، وتحويلها من توجهات استراتيجية إلى أثر ملموس في حياة المواطنات والمواطنين.
