الدكتور محمد نجيب المنصوري: منارة للإنسانية قبل أن يكون اسما في سجلات الطب العام
في زوايا مدينة مراكش العتيقة، وبين دروب “المدينة الحمراء” التي أنجبت العمالقة والمبدعين، يبرز اسم الدكتور محمد نجيب المنصوري كمنارة للإنسانية قبل أن يكون اسما في سجلات الطب العام. هو ليس مجرد طبيب يكتب الوصفات، بل هو “الطبيب الإنسان” الذي جعل من مهنته رسالة مقدسة لخدمة المحتاجين، باحثا دائما عن مساعدة المريض المراكشي البسيط دون مقابل، ومسخرا وقته وجهده لمن ضاقت بهم السبل سواء داخل جدران عيادته أو خارجها.
تسبقه ابتسامته الصادقة التي لا تفارق شفتيه، لتكون أول جرعة شفاء يتلقاها مرضاه، مما جعل من شخصيته رمزا محبوبا يحظى بتقدير واحترام الصغير والكبير. وعلى الرغم من أن فكرة التقاعد قد راودته، إلا أن قلبه النابض بحب البشرية يمنعه من الابتعاد؛ فحب المهنة لديه ليس وظيفة تنتهي بساعات العمل، بل هو التزام أبدي تجاه “الإنسان” في مدينة سبعة رجال.
لكن ملامح الإبداع في شخصية الدكتور المنصوري تتجاوز حدود السماعة الطبية؛ فهو فنان شامل يحمل في روحه عبق التراث المغربي الأصيل. هو “الفنان الغيواني” الذي تطوع أنامله آلة “البانجو” لتعزف ألحان الأرض الغيوانية، وهو “الزجال” الذي ينسج من الكلمات حكما ومواقف، ولعل آخر إبداعاته عن “سربة التبورضة” خير دليل على ذلك، حيث لم يكتفِ بوصف الخيل والبارود، بل غاص في جوف المعاني ليعكس طيات الحياة المجتمعية والقيم الإنسانية النبيلة.
وإلى جانب ريشته التي تبدع في الفن التشكيلي والخط الحروفي، يبرز الدكتور المنصوري كأديب متمكن أغنى المكتبة المراكشية المغربية بعدة دواوين شعرية، مما جعله ضيفا دائما وحاضرا بقوة في كبرى المهرجانات والملتقيات المحلية والجهوية والوطنية. هذا العطاء الفكري والجمعي توج بحصوله على مجموعة من التكريمات الرفيعة في مجالات الثقافة والفن والرياضة، تقديرا لبصمته الاستثنائية في كل ميدان يطأه.
ولم تبتعد اهتماماته عن الميادين الرياضية، فهو الطبيب الرياضي الذي لم ينس يوما عشقه الأول لفريق “الكوكب المراكشي”، حاضرا بقلبه وخبرته في ملاعب كرة القدم. الدكتور محمد نجيب المنصوري هو تجسيد حي للمثقف العضوي الذي يجمع بين العلم والفن والرياضة، محصنا كل ذلك بروح اجتماعية نادرة تجعل منه فخرا لمراكش ورمزا من رموز العطاء الذي لا ينضب.
