العمل السياسي بين المؤسسات والفضاء المجتمعي: قراءة في أدوار الفاعلين السياسيين بالمغرب

العمل السياسي بين المؤسسات والفضاء المجتمعي: قراءة في أدوار الفاعلين السياسيين بالمغرب
العربية.ما-الأستاذ: الحسين ابرزاق

يشهد الحقل السياسي المغربي منذ عقود نقاشاً متجدداً حول أفضل السبل لتحقيق الإصلاح السياسي وتعزيز البناء الديمقراطي. ويتمحور جزء مهم من هذا النقاش حول العلاقة بين العمل السياسي المؤسساتي، الذي تمارسه الأحزاب من داخل المؤسسات المنتخبة، والعمل السياسي المجتمعي الذي تمارسه قوى وهيئات اختارت الاشتغال خارج المؤسسات الرسمية. وتبرز هذه الإشكالية كلما صدرت مواقف أو تدوينات تدعو مختلف الفاعلين إلى الاندماج في العمل الحزبي والمؤسساتي أو تنتقد خيارات المقاطعة والاشتغال من خارج المؤسسات.

في هذا السياق، يمكن النظر إلى بعض الخطابات السياسية الداعية إلى الانخراط في الأحزاب والمشاركة في المؤسسات التمثيلية باعتبارها جزءاً من التنافس المشروع بين الفاعلين السياسيين على استقطاب الفئات المهتمة بالشأن العام، وخاصة فئة الشباب. فالأحزاب السياسية، بحكم طبيعتها ووظيفتها، تسعى إلى توسيع قواعدها الاجتماعية والانتخابية، وتعمل على إقناع المواطنين بجدوى التصور الذي تتبناه للمشاركة السياسية. ومن ثم، فإن الدعوة إلى الاندماج في العمل الحزبي لا يمكن فصلها عن رهانات التموقع السياسي والاستعداد للاستحقاقات الانتخابية المقبلة.

غير أن اختزال الفعل السياسي في المشاركة داخل المؤسسات يطرح إشكالاً نظرياً وعملياً في آن واحد. فالتجارب الديمقراطية المعاصرة تبين أن المجال السياسي لا يقتصر على الأحزاب والبرلمانات والمجالس المنتخبة، بل يشمل كذلك المجتمع المدني والحركات الاجتماعية والتنظيمات الفكرية والحقوقية والنقابية. وتؤدي هذه المكونات أدواراً أساسية في إنتاج الأفكار، وتأطير الرأي العام، وممارسة الرقابة المجتمعية، والضغط من أجل الإصلاح وتوسيع الحقوق والحريات.

ومن هذا المنظور، فإن اختيار بعض القوى ممارسة العمل السياسي خارج المؤسسات لا يعني بالضرورة الانسحاب من السياسة أو العزوف عنها، بل يعكس تصوراً مغايراً لطبيعة التغيير السياسي وآلياته. فهذه القوى تعتبر أن موازين القوة المجتمعية، ومستوى الوعي السياسي، وقدرة المجتمع على التنظيم والضغط، تشكل عناصر حاسمة في أي مسار إصلاحي. ولذلك تركز جهودها على التأطير الفكري والتربوي والنقابي والحقوقي والاجتماعي أكثر من تركيزها على المنافسة الانتخابية.

ويكتسي هذا الدور أهمية خاصة في الأنظمة السياسية التي لا تزال تعيش مسارات انتقال أو إصلاح تدريجي، حيث تصبح الحاجة قائمة إلى وجود قوى مجتمعية مستقلة نسبياً عن المؤسسات الرسمية، قادرة على التعبير عن المطالب الاجتماعية والسياسية، وممارسة الضغط السلمي من أجل توسيع مجالات المشاركة الشعبية وتعزيز صلاحيات المؤسسات المنتخبة. ومن ثم، فإن وجود فاعلين سياسيين خارج المؤسسات يمكن أن يسهم في تحقيق نوع من التوازن داخل الحقل السياسي، ويمنع احتكار الفعل السياسي من طرف فاعل واحد أو رؤية واحدة.

وفي المقابل، فإن الأحزاب السياسية المشاركة في المؤسسات تبقى مطالبة بالقيام بوظائفها الدستورية كاملة، وفي مقدمتها التأطير السياسي للمواطنين. فالرهان الحقيقي لأي حزب سياسي لا يتمثل فقط في تحقيق نتائج انتخابية متقدمة أو زيادة عدد مقاعده البرلمانية، وإنما في بناء مواطن واعٍ بحقوقه وواجباته، وقادر على المشاركة الفاعلة في الحياة العامة. كما أن نجاح الأحزاب يقاس بمدى مساهمتها في إنتاج النخب، ونشر الثقافة الديمقراطية، وتأهيل المجتمع لممارسة الرقابة والمساءلة.

ومن هذا المنطلق، فإن الأحزاب التي راكمت تجربة مهمة في تدبير الشأن العام، مدعو إلى الاستثمار أكثر في مجال التأطير السياسي والفكري للمواطنين، وتوسيع دائرة النقاش العمومي حول قضايا الإصلاح والديمقراطية والحكامة. فكلما ارتفع مستوى الوعي السياسي لدى المواطنين، ازدادت قدرتهم على التأثير في القرار العمومي والمطالبة بمزيد من الصلاحيات للمؤسسات المنتخبة، وهو ما يشكل أحد الشروط الأساسية لتطور الممارسة الديمقراطية.

إن التجارب السياسية الناجحة عبر العالم تؤكد أن الديمقراطية لا تتقدم فقط عبر المؤسسات، كما لا تتقدم فقط عبر الشارع أو الحركات الاجتماعية، بل من خلال التفاعل المستمر بين المجالين معاً. فالأحزاب تحتاج إلى مجتمع حي ومنظم يراقب ويقترح ويضغط، كما أن الحركات المجتمعية تحتاج إلى مؤسسات قادرة على ترجمة المطالب إلى سياسات وقرارات وقوانين. لذلك فإن العلاقة بين العمل السياسي داخل المؤسسات وخارجها ينبغي أن تُفهم باعتبارها علاقة تكامل وتوازن أكثر من كونها علاقة تناقض أو إلغاء متبادل.

وفي المحصلة، فإن بناء ديمقراطية قوية لا يقتضي بالضرورة توحيد جميع الفاعلين السياسيين داخل إطار مؤسساتي واحد، بل يقتضي الاعتراف بتعدد مسارات الفعل السياسي وتنوع أدواره. فبقدر ما تحتاج الدولة إلى أحزاب قوية وفعالة داخل المؤسسات، فإنها تحتاج أيضاً إلى قوى مجتمعية مستقلة تمارس أدوار التأطير والنقد والضغط. وضمن هذا التوازن تتعزز المشاركة السياسية، وتتوسع مجالات الإصلاح، وتترسخ ثقافة المواطنة والمساءلة، بما يخدم المصلحة العامة ويقوي المسار الديمقراطي للبلاد.

Exit mobile version