في ظل التحولات الرقمية المتسارعة التي يشهدها العالم، لم يعد العنف محصورًا في أشكاله التقليدية، بل امتد ليأخذ أبعادًا جديدة داخل الفضاء الرقمي، مدفوعًا بالتطور الكبير في تقنيات الذكاء الاصطناعي. وفي هذا السياق، جاءت الندوة العلمية الدولية الموسومة بـ“العنف في العصر الرقمي والذكاء الاصطناعي: أية آثار نفسية واجتماعية وقانونية واقتصادية؟”، التي انعقدت أيام 24 و25 و26 أبريل 2026 بالمسرح الجامعي بـجامعة ابن طفيل، لتشكل فضاءً أكاديميًا متعدد التخصصات لمناقشة هذه الظاهرة المركبة.
وقد عرفت الندوة مشاركة نخبة من الباحثين والخبراء من مختلف التخصصات، في محاولة لفهم التحولات العميقة التي أحدثها الذكاء الاصطناعي في أنماط العنف، واستشراف سبل مواجهتها.
سياق انعقاد الندوة وأهدافها
تندرج هذه الندوة ضمن الاهتمام الأكاديمي المتزايد بقضايا التحول الرقمي وتأثيراته على المجتمعات، حيث أضحت التكنولوجيا، رغم فوائدها، مجالًا لإعادة إنتاج أشكال جديدة من العنف، مثل التنمر الإلكتروني، والتشهير، وانتهاك الخصوصية، والتزييف العميق.
وقد هدفت الندوة إلى:
تحليل ظاهرة العنف الرقمي في سياق الذكاء الاصطناعي.
رصد آثاره النفسية والاجتماعية والاقتصادية.
دراسة التحديات القانونية المرتبطة به.
اقتراح مقاربات متعددة التخصصات للحد من مخاطره.
المحاور العلمية للندوة
1. الآثار النفسية للعنف الرقمي
ناقش المشاركون التأثيرات العميقة للعنف الرقمي على الصحة النفسية للأفراد، خاصة في ظل الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي. فالتعرض المستمر للتنمر أو التشهير الرقمي يمكن أن يؤدي إلى القلق، والاكتئاب، واضطرابات الهوية، خاصة لدى فئة الشباب.
كما تم التأكيد على أن البيئة الرقمية قد تخلق إحساسًا دائمًا بالتهديد، مما ينعكس سلبًا على التوازن النفسي وجودة الحياة.
2. الآثار الاجتماعية
سلطت الندوة الضوء على التحولات الاجتماعية الناتجة عن العنف الرقمي، حيث ساهمت التقنيات الحديثة في إعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية، وخلق أنماط جديدة من الهيمنة والتمييز.
كما تم إبراز دور الخوارزميات في تكريس التحيزات الاجتماعية، مما قد يؤدي إلى أشكال غير مباشرة من العنف الرمزي والإقصاء الرقمي.
3. الأبعاد القانونية
من أبرز الإشكالات التي ناقشتها الندوة، التحديات القانونية المرتبطة بتنظيم الفضاء الرقمي، خاصة في ظل تطور تقنيات مثل “التزييف العميق” وانتحال الهوية.
وأكد الباحثون على ضرورة تطوير التشريعات لمواكبة هذه التحولات، وتعزيز آليات الحماية القانونية للضحايا، مع تحقيق التوازن بين حرية التعبير وصيانة الحقوق الفردية.
4. الآثار الاقتصادية
تناولت الندوة أيضًا التأثيرات الاقتصادية للعنف الرقمي، حيث يمكن أن يؤدي إلى خسائر مالية معتبرة نتيجة الاحتيال الإلكتروني أو تسريب البيانات أو الهجمات السيبرانية.
كما تم التطرق إلى تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل، وما قد يترتب عنه من تحولات قد تزيد من حدة التفاوتات الاجتماعية.
مقاربة متعددة التخصصات
أكدت الندوة على أهمية اعتماد مقاربة متعددة التخصصات لفهم ظاهرة العنف الرقمي، تجمع بين علم النفس، وعلم الاجتماع، والقانون، والاقتصاد، وعلوم الحاسوب.
كما شددت على ضرورة تعزيز التعاون بين الجامعات ومراكز البحث والمؤسسات الحكومية والمجتمع المدني، من أجل تطوير استراتيجيات فعالة للتصدي لهذه الظاهرة.
توصيات الندوة
خلصت أشغال الندوة إلى مجموعة من التوصيات، من أبرزها:
تطوير ترسانة قانونية رقمية حديثة.
تعزيز التربية الرقمية داخل المؤسسات التعليمية.
دعم البحث العلمي في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي.
تقوية التعاون الدولي لمكافحة الجرائم الرقمية.
خاتمة
لقد أظهرت هذه الندوة العلمية الدولية، التي احتضنها المسرح الجامعي بـجامعة ابن طفيل، أن العنف في العصر الرقمي لم يعد مجرد ظاهرة عابرة، بل أصبح تحديًا بنيويًا يستدعي استجابة شاملة ومتكاملة.
ومع تسارع الابتكار التكنولوجي، تظل الحاجة قائمة إلى بناء فضاء رقمي آمن، قائم على قيم المسؤولية والعدالة، بما يضمن حماية الأفراد وتعزيز الاستقرار
بقلم طالبة ماستر مهن الإعلام والصناعة الثقافية :سارة الدلصة
