لم يكن المشهد الذي عاشته مدينة سبتة ومليلية خلال الأيام الأخيرة، والمتمثل في الهجرة الجماعية غير الشرعية، حدثاً حدودياً عادياً بل مأساة إنسانية.
ففي ظرف ساعات، تدفقت أعداد غير مسبوقة من المهاجرين بلغ عددهم مايقارب 60.000 مهاجر نحو المدينة الإسبانية، عبر البحر والمعابر الحدودية، في أزمة إنسانية وأمنية سرعان ما تحولت إلى قضية أوروبية بامتياز، بعدما أعلنت مدريد أن حدودها تعرضت لضغط غير مسبوق، وأكد رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، أن ما وقع يمثل اعتداءً على السيادة الإسبانية، متعهداً باستعادة السيطرة على الحدود وتسريع عمليات إعادة المهاجرين.
غير أن أهمية هذه الأزمة لا تكمن فقط في حجمها، وإنما في الأسئلة التي تطرحها حول مستقبل العلاقات المغربية الإسبانية، ومدى قدرة الاتحاد الأوروبي على إدارة حدوده الجنوبية، وحدود التوازن بين مقتضيات الأمن واحترام حقوق الإنسان.
أولاً: من حادث حدودي إلى أزمة أوروبية
تشير المعطيات الأولية إلى أن أعداد الوافدين فاقت قدرة السلطات المحلية في سبتة على الاستيعاب، مما دفع الحكومة الإسبانية إلى إرسال تعزيزات عسكرية وأمنية وإقامة مراكز استقبال مؤقتة، في حين أعلن الاتحاد الأوروبي تضامنه مع مدريد باعتبار أن الحدود الإسبانية في سبتة تمثل الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي.
وقد أظهرت الأزمة هشاشة المنظومة الأوروبية أمام موجات الهجرة الجماعية، إذ سارعت بعض الدول الأوروبية إلى تشديد إجراءاتها الحدودية مع إسبانيا، بينما دعت المفوضية الأوروبية إلى تنسيق الجهود لمكافحة شبكات تهريب البشر وتعزيز التعاون مع المغرب.
ثانياً: ماذا تقول الاتفاقيات المغربية الإسبانية؟
لم يبدأ التعاون المغربي الإسباني في ملف الهجرة مع هذه الأزمة، بل يعود إلى اتفاقيات ثنائية تعود إلى تسعينيات القرن الماضي، تقوم على ثلاثة محاور رئيسية: 1-التنسيق الأمني في مراقبة الحدود. 2-مكافحة شبكات الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين. 3- التعاون في إعادة الأشخاص الموجودين في وضعية غير قانونية وفق الضمانات القانونية.
كما عزز البلدان خلال السنوات الأخيرة تعاونهما الأمني من خلال اتفاقيات جديدة شملت مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية، وهو ما جعل المغرب أحد أهم شركاء الاتحاد الأوروبي في إدارة الهجرة على الضفة الجنوبية للمتوسط.
ثالثاً: هل تمنع المحاكم الأوروبية إعادة المهاجرين؟
انتشرت خلال الأيام الأخيرة تفسيرات تفيد بأن القضاء الأوروبي يمنع إعادة كل من يصل إلى إسبانيا عن طريق البحر، غير أن هذه القراءة تحتاج إلى تدقيق.
فاجتهادات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان لا تمنح حقاً مطلقاً في الدخول غير النظامي، وإنما تؤكد ضرورة احترام الضمانات القانونية، ومنع الطرد الجماعي المخالف للاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، مع مراعاة ظروف كل حالة على حدة. كما أن بعض الأحكام السابقة، ومنها قضية N.D. وN.T ضد إسبانيا، أقرت بأن للدول هامشاً في حماية حدودها عندما تكون هناك وسائل قانونية متاحة للوصول أولطلب الحماية الدولية. أما الحكم الأخير للمحكمة العليا الإسبانية بشأن بعض حالات الاعتراض البحري، فقد أثار جدلاً قانونياً واسعاً، وتختلف الآراء حول نطاق تطبيقه، وهو لا يعني تلقائياً إباحة الدخول غير النظامي إلى الأراضي الإسبانية.
رابعاً: البعد السياسي
من الصعب فصل هذه الأزمة عن السياق السياسي الإقليمي. فسبتة ومليلية ليستا مجرد نقطتي عبور، بل تمثلان منذ عقود أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقات المغربية الإسبانية. وقد شهدت سنة 2021 أزمة مشابهة، وإن كانت أصغر حجماً، أعقبت توتراً دبلوماسياً بين البلدين، قبل أن يعود التعاون تدريجياً إلى مستواه الطبيعي.
اليوم، يحرص كل من الرباط ومدريد على تجنب انزلاق الأزمة إلى مواجهة سياسية، إذ تؤكد التصريحات الرسمية استمرار التعاون في مكافحة شبكات التهريب وإعادة المهاجرين وفق الأطر القانونية.
خامساً: بين الأمن وحقوق الإنسان
وبالفعل صرحت السلطات الإسبانية أنها قامت بترحيل 48.000 الف مهاجر ومهاجرة خلال يوم الجمعة 31\7\2026. لا يجوز الخلط بين ثلاث فئات مختلفة: الأولى: أشخاص يحاولون الهجرة بدافع الفقر أوالبحث عن فرص أفضل. الثانية: ضحايا شبكات الاتجار بالبشر التي تستغلهم وتدفعهم إلى المخاطرة بحياتهم. أما الثالثة: فهي أفراد قد يستغلون الفوضى لارتكاب جرائم مثل السرقة أوالعنف أوالتخريب، وهؤلاء يتحملون مسؤوليتهم الجنائية الفردية، ولا يجوز تعميم أفعالهم على جميع المهاجرين. إن نجاح أي سياسة للهجرة يقتضي الجمع بين تطبيق القانون، وملاحقة الشبكات الإجرامية، واحترام الكرامة الإنسانية.
وعلى سبيل الختم، تكشف أزمة سبتة أن أوروبا والمغرب أمام منعطف جديد في إدارة الهجرة. فالاعتماد على المقاربة الأمنية وحدها لن يكون كافياً، كما أن المقاربة الحقوقية وحدها لن تمنع استغلال المهاجرين من قبل شبكات التهريب.
ويبقى الرهان الحقيقي هو بناء شراكة مغربية إسبانية أكثر عمقاً، تقوم على الثقة، والتنسيق الأمني، والتنمية الاقتصادية، ومكافحة الجريمة المنظمة، لأن أمن المتوسط لا يتحقق بالجدران والأسلاك فقط، وإنما أيضاً بتجفيف الأسباب التي تدفع آلاف الشباب إلى المخاطرة بحياتهم في البحر أوعند الحدود.
بقلم : محمد الغياط، الرباط في 31\7\2026
