العربية.ما / محمد شيوي
صورة توضيحية من الذكاء الاصطناعي
حين تتحول وجبة الغذاء في المدرسة إلى حلبة استعراض طبقي..
مع اتساع أوقات الدراسة في العديد من المؤسسات التعليمية، خصوصا تلك التي تعتمد نظما تربوية حديثة أو توفر توقيتا مستمرا، أصبحت ‘وجبة الغذاء‘ في قلب الحياة اليومية للتلميذ والعائلة على حد سواء. لكن هذه الوجبة، التي فترض فيها أن تكون محطة لإعادة شحن طاقة الطفل وجسده، تحولت في كثير من الأحيان داخل الأقسام وساحات المدارس إلى مرآة عاكسة لتفاوتات اجتماعية صارخة، ومسرحا للتفاخر العائلي عوض أن تكون فضاء للتربية السليمة وتكافؤ الفرص.
لم يعد المشهد مقصورا على الأطباق المنزلية التقليدية فحسب، بل اقتحمت فضاء المدرسة مظاهر استهلاكية صارخة؛ حيث تتوسط طاولات الأطفال أكياس وعلب “الوجبات السريعة” القادمة مباشرة من مطاعم عالمية معروفة (مثل ماكدونالدز وكنتاكي وغيرها)، لتفوح روائحها داخل قاعات الدرس أو الساحات.
إلى جانب ذلك، تعج علب الغذاء “اللانش بوكس” في حالات أخرى بأصناف مكررة من المعجنات والمأكولات المصنعة التي تغيب عنها أبسط معايير التغذية الصحية المتوازنة. الأسر، تحت ضغط ضيق الوقت، أو رغبة في مجاراة النسق الاستهلاكي السائد، تسلم قيادها لهذه الخيارات الجاهزة، ناسفة بذلك الجانب الصحي والتربوي للوجبة.
حين يجلس طفل يتناول وجبة سريعة فارهة أو طبقا منزليا باهظ التكلفة، وإلى جانبه طفل آخر تقتصر وجبته على القليل من المعجنات البسيطة أو ما تيسر من زاد البيت المتواضع، تتشكل هنا مفارقة إنسانية مؤلمة.
القسم الدراسي، الذي ينبغي أن يكون محرما مقدسا للمساواة والاندماج، يتحول بفعل هذه الممارسات إلى منصة صامتة لـلاستعراض الطبقي. فالأمر هنا لا علاقة له بالجوع بقدر ما يتعلق بـإرسال رسائل اجتماعية عبر محتويات علبة الغذاء. وفي خضم هذا التباهي العائلي، يغيب إحساس الكبار بوقع هذه المظاهر على نفسية طفل قد يشعر بالحرج أو الدونية لمجرد أن وجبته الغذائية لا تتماشى مع “الموضة الاستهلاكية” السائدة بين أقرانه.
إن الانشغال المبالغ فيه بتفاصيل الوجبات الغدائية من علب بلاستيكية باهظة الثمن، ووجبات سريعة، وأطباق مستعرضة يعكس انزياحا خطيرا في سلم الأولويات. لقد تراجع النقاش التربوي الحقيقي حول جودة التحصيل، وترسيخ قيم التواضع، والتقاسم، والتضامن، لصالح ثقافة المظهر والاستهلاك.
عوض أن تعلم المدرسة أطفالنا الاعتدال وفهم قيمة الغذاء كنعمة، وهذا ما نشاهده في بعض المؤسسات الخاصة، تجدهم منغمسين في مقارنات بصرية لمستوى عائلاتهم المادي من خلال ما يحملونه في حقائبهم وقت الغذاء.
إن مواجهة هذا الخلل لا تتطلب سن قوانين معقدة، بل تستدعي وعيا مجتمعيا و تربويا عميقا:
1. هنا يكمن دور الآباء ، حيث الإدراك أن دور الأسرة هو تحصين الأبناء بالقيم والأخلاق والبساطة، لا إقحامهم في صراعات الطبقة والمظاهر الزائفة.
2. وكذلك دور المؤسسات التعليمية في توجيه الاهتمام نحو تعزيز الثقافة الغذائية الصحية، وسن قواعد داخلية تنظم وجبات الغذاء بما يحد من مظاهر التفاخر والاستعراض المؤذي لمشاعر البسطاء.
في النهاية، وجبة الغذاء المدرسية يجب أن تبقى وسيلة بسيطة لدعم طاقة التلميذ، لا أن تحول إلى أداة لشرخ براءة الطفولة وإلهاء المجتمع عن جوهره الحقيقي المتمثل في التربية والتعليم.
