حين يفقد الطفل حضن الأسرة… أربعون سنة من العطاء والاحتضان في دار الأطفال سيدي البرنوصي

حين يفقد الطفل حضن الأسرة… أربعون سنة من العطاء والاحتضان في دار الأطفال سيدي البرنوصي
 أربعون سنة من العطاء والاحتضان في دار الأطفال بسيدي البرنوصي

بقلم: العربي نواس/ الدار البيضاء

هناك أطفال يولدون وفي أيديهم ألعاب ودفئ بيت وحضن أم وكتف أب يستندون إليه حين يخافون.
وهناك بعض الأطفال تبدأ حكايتهم بطريقة مختلفة تماما…
يفتح أحدهم عينيه على الحياة فلا يجد أما تحمله، ولا أبا يسأل عنه، ولا بيتا ينتظره، ولا قريبا يطرق بابه حين يمرض.
وقد يجد طفل آخر نفسه، وهو في عمر لا يتجاوز سنواته الأولى، في الشارع… ينام حيث يجد مكانا، يأكل حين يجد ما يسد به جوعه، ويكبر قبل أوانه لأن الحياة أجبرته على ذلك.
طفل لم يختر أن يكون في الشارع.
وطفلة لم تختر أن تحرم من أسرتها.
وطفل آخر دفعته ظروف اجتماعية أو أسرية أو اقتصادية قاسية إلى الهامش.
إنهم أطفال في وضعية صعبة… لكنهم قبل كل شيء أطفال.
لهم أحلام، ومشاعر، وحق في الأمان، وحق في التعليم، وحق في العلاج، وحق في اللعب، وحق في أن يشعروا بأنهم ليسوا منسيين.
وراء كل طفل حكاية
حين نرى طفلا في الشارع، قد نراه مجرد طفل مشرد.
لكن وراء ملامحه قصة لا نعرفها.
ربما كان هناك بيت تفككت جدرانه قبل أن يتفكك الطفل.
ربما كان ضحية الفقر.
ربما فقد والديه.
ربما تخلى عنه من كان يفترض أن يكون أول من يحميه.
وربما تعرض للعنف أو الإهمال أو الاستغلال، حتى أصبح الشارع بالنسبة إليه أرحم من البيت.
نحن نرى الطفل في لحظته الأخيرة، ولا نرى الطريق الطويل الذي أوصله إليها.
ولهذا، فإن التعامل مع هذه الفئة لا ينبغي أن يكون بمنطق الإدانة أو اللوم، وإنما بمنطق الإنقاذ والاحتضان وإعادة بناء الثقة.
فالطفل الذي فقد أسرته لا يحتاج إلى محاضرة عن الحياة بقدر ما يحتاج إلى شخص يقول له:
“أنت لست وحدك… نحن هنا من أجلك.”
عندما يصبح باب المؤسسة بابا للحياة
في لحظة قد تبدو عادية بالنسبة لنا، يطرق طفل باب مؤسسة للرعاية الاجتماعية.
لكن ذلك الطرق قد يكون بداية حياة جديدة.
يدخل الطفل حاملا معه خوفه، وغضبه، وذكرياته، وأسئلته الكثيرة.
من أنا؟
لماذا تركني أهلي؟
لماذا أنا مختلف عن باقي الأطفال؟
هل سأبقى هكذا طوال حياتي؟
هل هناك من يحبني؟
وهنا تبدأ المهمة الحقيقية لمؤسسات الرعاية الاجتماعية.
فالمؤسسة ليست جدرانا وسريرا ومطعما.
وليست مجرد مكان يأوي الأطفال.
إنها، عندما تؤدي رسالتها كما ينبغي، محطة لإعادة بناء الإنسان.
تمنح الطفل سريرا آمنا بدل الرصيف.
وجبة بدل الجوع.
ملابس بدل الحاجة.
طبيبا بدل الإهمال.
مدرسة بدل الجهل.
مربيا بدل الوحدة.
وأخصائيا اجتماعيا ونفسيا يساعده على فهم نفسه واستعادة ثقته بالحياة.
والأهم من ذلك كله…
تمنحه شيئا لا يشترى بالمال:
الإحساس بأنه إنسان له قيمة.
دار الأطفال سيدي البرنوصي… أربعون سنة من العطاء
ولأن الحديث عن الرعاية الاجتماعية لا ينبغي أن يبقى مجرد كلام نظري، فإن الجمعية الخيرية دار الأطفال سيدي البرنوصي تقدم نموذجا حيا لهذه الرسالة الإنسانية.
منذ تأسيسها سنة 1986، وعلى امتداد ما يقارب أربعة عقود من العطاء، احتضنت المؤسسة أجيالا من الأطفال، وفتحت أبوابها أمام أطفال احتاجوا إلى الرعاية والحماية والتوجيه.
أربعون سنة تقريبا من العمل ليست مجرد رقم في تاريخ مؤسسة.
إنها أربعون سنة من الوجوه والقصص والدموع والابتسامات والنجاحات.
أطفال دخلوا المؤسسة في ظروف صعبة، بعضهم يحمل جراحا نفسية واجتماعية عميقة، ثم وجدوا فيها مساحة للأمان والاستقرار والتعلم والتربية.
أجيال مرت من هنا…
كبرت، وتعلمت، وتخرجت، واشتغلت، وتزوجت، وأصبحت لها أسرها وحياتها ومسؤولياتها.
وربما لا يتذكر بعضهم كل التفاصيل، لكن شيئا واحدا يبقى في الذاكرة:
المكان الذي احتضنهم عندما كانوا في أمس الحاجة إلى الاحتضان.
شهادة من الداخل
وأنا أتحدث عن هذه المؤسسة، لا أتحدث عنها من بعيد، ولا باعتباري متابعا لما تقوم به فقط.
بل أتحدث عنها باعتباري أحد الأطر التربوية التي عملت بها، مشرفا اجتماعيا ومنشطا، وعشت عن قرب جزءا من تفاصيل الحياة اليومية لهؤلاء الأطفال.
رأيت وجوها جاءت مثقلة بالحرمان.
وعايشت أطفالا كانوا بحاجة إلى أكثر من الطعام والملبس.
كانوا بحاجة إلى من يسمعهم.
إلى من يفهمهم.
إلى من يوجههم.
إلى من يصبر عليهم.
وإلى من يمنحهم فرصة جديدة.
ومن خلال هذه التجربة، أدركت أن العمل داخل مؤسسة للرعاية الاجتماعية ليس مجرد أداء لمهام مهنية.
إنه مسؤولية إنسانية وتربوية وأخلاقية.
خلف كل طفل… فريق كامل
حين نتحدث عن نجاح مؤسسة للرعاية الاجتماعية، لا يجوز أن ننسب الفضل إلى شخص واحد.
فوراء كل طفل استفاد من خدمات المؤسسة، هناك فريق متكامل.
أطر إدارية تسهر على التدبير والتنظيم.
أطر تربوية ومربون ومربيات يرافقون الأطفال في تفاصيل حياتهم اليومية.
عاملون وعاملات في مختلف المرافق.
مشرفون اجتماعيون.
منشطون.
وأشخاص يعملون في المطبخ والنظافة والحراسة والصيانة والخدمات المختلفة.
كل واحد منهم يؤدي جزءا من المهمة.
وقد يبدو عمل البعض بسيطا في نظر الآخرين، لكنه في منظومة الرعاية الاجتماعية جزء من بناء حياة الطفل.
وجميع هؤلاء قدموا وضحوا، كل من موقعه، من أجل أجيال من الأطفال.
قد لا يعرف المجتمع أسماءهم جميعا.
وقد لا تظهر صورهم في المناسبات.
لكنهم تركوا بصمتهم في حياة أجيال.
وهذا وحده يكفي ليكون مصدر فخر.
مؤسسة السقاط… مشعل التسيير والتدبير
ولا يمكن، ونحن نستحضر مسيرة هذه المؤسسة، أن نغفل الدور الذي لعبته مؤسسة السقاط في حمل مشعل التسيير والتدبير ومواصلة خدمة هذه الرسالة الاجتماعية.
مسيرة ارتبطت بعطاء أجيال من أسرة السقاط.
بدأت مع الأب الحاج امحمد السقاط رحمه الله، الذي حمل مسؤولية هذه الرسالة وأسهم في ترسيخ هذا العمل الاجتماعي والإنساني.
ثم واصل المشعل الابن فاضل السقاط رحمه الله، محافظا على استمرارية الرسالة ومواصلة خدمة الأطفال.
واليوم يستمر هذا المسار مع الحفيد الشاب حمزة السقاط حفظه الله وتقبل منه صالح الأعمال، الذي يحمل المشعل ويواصل المسيرة.
إنها ليست فقط قصة أسماء تعاقبت على التسيير.
إنها قصة استمرارية رسالة، وانتقال مشعل المسؤولية من جيل إلى جيل.
والأهم أن يبقى جوهر هذه الرسالة ثابتا:
الإنسان أولا… والطفل قبل كل شيء.
الرعاية ليست إيواء فقط
من الخطأ اختزال الرعاية الاجتماعية في توفير المبيت والطعام.
نعم، الإيواء ضروري.
والغذاء ضروري.
والملبس ضروري.
والعلاج ضروري.
لكن الطفل يحتاج إلى أكثر من ذلك بكثير.
يحتاج إلى رعاية نفسية واجتماعية وتربوية متكاملة.
يحتاج إلى من يكتشف موهبته.
إلى من يساعده في دراسته.
إلى من يعلمه كيف يتعامل مع الآخرين.
إلى من يصغي إليه عندما يكون حزينا.
إلى من يشجعه عندما يفشل.
إلى من يقول له عندما ينجح:
“أنا فخور بك.”
لأن الطفل الذي عاش الحرمان قد يحتاج سنوات حتى يصدق أن هناك من يهتم به دون مقابل.
المدرسة… طريق آخر للخلاص
من أهم أبواب إنقاذ الأطفال التعليم.
فالتعليم ليس مجرد الحصول على شهادة.
إنه وسيلة لتحرير الطفل من دائرة الفقر والتهميش.
حين نساعد طفلا على الدراسة، فإننا لا نساعده فقط على النجاح في امتحان.
نحن نفتح أمامه بابا لمستقبل مختلف.
قد يصبح معلما.
أو طبيبا.
أو مهندسا.
أو تقنيا.
أو حرفيا ماهرا.
أو موظفا.
أو فنانا.
أو رياضيا.
أو مبدعا.
وقد يصبح ببساطة مواطنا صالحا يعيش بكرامة ويخدم وطنه.
وهذا هو النجاح الحقيقي للرعاية الاجتماعية.
أن يدخل الطفل المؤسسة محتاجا إلى من ينقذه، ثم يخرج منها إنسانا قادرا على بناء حياته بنفسه.
لكن هل تكفي المؤسسات وحدها؟
لا.
مؤسسات الرعاية الاجتماعية تستطيع أن تنقذ وتحتضن وتؤهل، لكنها لا تستطيع وحدها حل أزمة اجتماعية بهذا الحجم.
المطلوب هو الانتقال من معالجة النتائج إلى الوقاية من الأسباب.
فالطفل الذي يصل إلى المؤسسة يكون في كثير من الأحيان قد قطع مسافة طويلة من المعاناة.
ولهذا يجب أن نسأل:
لماذا وصل إلى الشارع؟
أين كانت الأسرة؟
أين كانت المدرسة؟
أين كانت آليات الحماية؟
متى بدأت المشكلة؟
وكيف كان يمكن التدخل قبل أن تصل إلى هذه المرحلة؟
بعض الحلول الممكنة
أولا: تقوية الوقاية الأسرية.
دعم الأسر الهشة ماديا واجتماعيا وتربويا قبل تفككها، لأن حماية الأسرة هي في كثير من الأحيان أفضل حماية للطفل.
ثانيا: التدخل المبكر.
رصد حالات الإهمال والعنف والتشرد والتسرب المدرسي قبل أن تتحول إلى حالات مزمنة.
ثالثا: تقوية مؤسسات الرعاية الاجتماعية.
توفير الموارد المالية والبشرية، وتحسين ظروف العمل، وتكوين الأطر والعاملين باستمرار.
رابعا: تعزيز الدعم النفسي والاجتماعي.
فالطفل الذي عاش العنف أو الإهمال أو التخلي يحتاج إلى مواكبة نفسية حقيقية، وليس فقط إلى مكان ينام فيه.
خامسا: محاربة الهدر المدرسي.
لأن كل طفل يغادر المدرسة مبكرا يكون أكثر عرضة للانزلاق نحو الهشاشة والاستغلال والتشرد.
سادسا: تطوير التكوين المهني.
فتح أبواب التكوين أمام الأطفال والشباب، ومنحهم مهارات عملية تساعدهم على الاستقلال الاقتصادي.
سابعا: مواكبة الطفل بعد مغادرة المؤسسة.
فالمغادرة لا ينبغي أن تعني انتهاء الرعاية.
الشاب يحتاج إلى مواكبة في العمل والسكن والتكوين والاندماج الاجتماعي حتى يقف على قدميه.
ثامنا: بناء شراكات أقوى.
بين الدولة والجماعات الترابية والجمعيات والمحسنين والمقاولات والمؤسسات التعليمية والصحية وكل المتدخلين.
تاسعا: تغيير نظرة المجتمع.
هذا الطفل ليس عبئا.
وليس رقما.
وليس حالة اجتماعية فقط.
إنه إنسان.
وهو مسؤولية مشتركة.
وفي النهاية…
بعد أربعين سنة تقريبا من العطاء، تبقى قصة الجمعية الخيرية دار الأطفال سيدي البرنوصي واحدة من القصص التي تؤكد أن العمل الاجتماعي الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الأسرة أو الوجبات أو الملفات…
بل يقاس بعدد الأرواح التي تم إنقاذها.
بعدد الأطفال الذين عادوا إلى المدرسة.
بعدد الذين استعادوا ثقتهم بأنفسهم.
بعدد الذين تعلموا مهنة.
وبعدد الذين خرجوا إلى المجتمع وهم يحملون حلما بدل الخوف.
وربما أجمل شهادة يمكن أن تحصل عليها مؤسسة للرعاية الاجتماعية ليست لوحة معلقة على جدار، ولا كلمة شكر في مناسبة…
بل أن يعود أحد أبنائها يوما ويقول:
“هنا وجدت من احتضنني عندما لم يكن لي أحد.”
وهنا نفهم المعنى الحقيقي لهذه الرسالة.
فالرعاية الاجتماعية ليست مجرد إطعام وإيواء.
وليست وظيفة تنتهي بانتهاء ساعات العمل.
إنها رسالة إنسانية وتربوية واجتماعية.
وكل من ساهم فيها، من المحسن إلى الجمعية، ومن المسير إلى الإطار الإداري والتربوي، ومن المشرف الاجتماعي إلى العامل والعاملة في مختلف المرافق، ومن الطبيب إلى الأستاذ، ومن كل شريك ومتدخل…
هو جزء من هذه الحكاية.
حكاية أناس آمنوا بأن الطفل، مهما كانت ظروفه، يستحق فرصة.
وبأن الوطن الذي يحمي أطفاله اليوم، سيجد غدا رجالا ونساء يحملون مسؤوليته ويخدمونه.
قد لا نستطيع أن نعيد إلى بعض الأطفال أبا غائبا أو أما فقدوها.
وقد لا نستطيع أن نمحو سنوات الحرمان من ذاكرتهم.
لكننا نستطيع أن نعطيهم شيئا عظيما:
المستقبل.
وأن نقول لكل طفل جاء يوما إلى باب المؤسسة خائفا وحيدا:
أنت لست وحدك…
كان هناك دائما من يؤمن بك.
وربما هذه هي أعظم مهمة يمكن أن يؤديها الإنسان في حياته:
أن ينقذ طفلا، فينقذ معه مستقبلا كاملا.

Exit mobile version