فراغ لا يملؤه الزمان: وداعا للأستاذ مولاي عبد المالك المغاري،
وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون. صدق الله العظيم
خبر ثقيل على القلوب، وفراغ لا يملؤه الزمان، وصدمة مدوية هزت أركان الأسرة التعليمية والتربوية؛ ففي ظرف جد صعب، غادرنا إلى دار البقاء الأستاذ الفاضل سيدي مولاي عبد المالك المغاري، الذي لم يكد يتجاوز عقده الرابع، وكان يشتغل ناظرا بالسلكين الإعدادي والثانوي بمؤسسة العمراني الخاصة بمراكش. رحل لكي يترك حزنا عميقا انغرس في قلوب تلاميذه، وأساتذته، وإدارييه، وأصدقائه، وأهله، وجيرانه، تاركا وراءه فراغا هائلا لن تسده الأيام بسهولة.
بالأمس القريب، كان الفقيد بيننا، يمشي بخطى واثقة في ساحة المؤسسة، يرشف القهوة بحرارة مع زملائه، يسأل عن هذا ويطمئن على ذاك، ويتنقل بين الأقسام والمكاتب بابتسامة صادقة لا تفارق محياه. واليوم، صارت الساحة أهدأ مما ينبغي، والمكتب الذي كان يعج بالحياة والحركة يخيم عليه صمت رهيب، وكأن جدران المؤسسة نفسها تفتقد صاحبها وتستوحش مكانه. لم يكن خبر وفاته عاديا؛ فقد ساد المرحوم بين التلاميذ الصغار والكبار على حد سواء، فقد فقدوا ناظرا كان صديقا وأبا وموجها منيرا يوجههم ويحتضنهم برحابة صدر. وبكاه الأساتذة الذين رافقوه لسنوات، فعرفوا فيه الزميل المعطاء الذي لا يبخل بوقته ولا برأيه النزيه، وسند الإدارة في تدبير أصعب اللحظات بحكمة بالغة.
آمن الأستاذ عبد المالك بأن الانضباط الحقيقي لا يولد بالصرامة العمياء، بل بالتفهم والاحتواء. كان يستقبل تلاميذه في مكتبه بوجه طلق، يصغي لمشاكلهم الدراسية والنفسية ليبحث معهم عن الحلول لا العقوبات. كم من تلميذ كاد ينحرف عن جادة الصواب فأعاده بكلمة طيبة، وكم من يائس وجد لديه الدعم وشعلة الأمل. لقد كان يتابع تفاصيل الغياب والسلوك والنتائج بعين المربي الحريص لا الرقيب المتعنت، غايته الأولى أن يرى كل طفل وشاب يشعر بقيمته ومكانته داخل المؤسسة.
ومن أبرز ما ميز مسيرة الفقيد قدرته الفذة على مد جسور التواصل الحقيقي مع أولياء الأمور. لقد أدرك بعمق أن المدرسة والأسرة شريكان متلازمان في صناعة الإنسان. لذلك، ظل بابه مفتوحا للجميع بالترحاب، يستمع للملاحظات بصبر، ويطرح وضعية الأبناء بأمانة وشفافية مطلقة. وبهذا الأسلوب الراقي، خلق ثقة متينة جعلت الأسر تطمئن على أبنائها، وتتيقن أنهم في أيد أمينة تحفظ الأمانة وترعى النشء حق الرعاية، تحت القيادة الحثيثة لرئيس المؤسس مولاي أحمد العمراني.
لم يعامل الأستاذ عبد المالك مهنته كمجرد وظيفة تؤدى بين الحصص، بل حملها كقضية ورسالة مجتمعية نبيلة. كان يكرر دائما أن الأستاذ هو قدوة المجتمع، وأنه لزاما على المدرسة أن تكون بيتا ثانيا دافئا للجميع، مشددا على أهمية الأنشطة الرياضية والجمعوية في بناء الشخصية المتوازنة. إن هذا الحزن الصادق الذي عم الجميع هو أصدق شهادة حق على طهارة سيرته ونقاء سريرته، امتثالا لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الثناء على الميت بالخير: “أنتم شهداء الله في الأرض”.
إن خير ما نكرم به روح الأستاذ عبد المالك المغاري هو السير على خطاه؛ أن نحسن إلى أجيالنا كما أحسن إليهم، وأن نبقي أبواب قلوبنا ومدارسنا مفتوحة للجميع، وأن نظل نؤمن بأن الأثر الطيب هو الباقي الخالد بعد فناء الأجساد.
عزاؤنا واحد، وإن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا على فراقك لمحزونون، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا: إنا لله وإنا إليه راجعون.
اللهم ارحم فقيدنا العزيز رحمة واسعة، واغفر له، وأكرم نزله، ووسع مدخله، وأسكنه فسيح جناتك، وألهم أهله، وذويه، وتلاميذه، وزملاءه جميل الصبر والسلوان.
