منصات التواصل الاجتماعي في المغرب .. تصفية للأحلام وسموم للتنمر؟
حين كان فضاء الإنترنت والتواصل الاجتماعي نافذة منفتحة على المعرفة والتنوير وحرية التعبير البناءة، تحولت منصات السوشيال ميديا في المشهد الرقمي المغربي إلى حلبات مصارعة حقيقية يسودها منطق “التبخيس والتحكام”. لم يعد النقاش العمومي يحمل ذلك الأفق الهادئ أو الرأي المخالف الذي يثري النقاش، بل بات مستباحا بوهج التعليقات الهجومية والمحبطة التي لا ترقب في إنسان إلاً ولا ذمة، وحين تتابع أي منشور لفاعل جمعوي، أو فنان، أو صانع محتوى، أو حتى مواطن عادي يشارك نجاحا أو مبادرة، تتربص به كوكبة من الحسابات الجاهزة لإطلاق رصاصات الإحباط. إن ظاهرة “التبخيس والتحكام” ليست عفوية، بل أصبحت ثقافة رقمية موازية يتخذها البعض هواية لجلد الآخرين؛ فكل إنجاز يقابله تشكيك، وكل خطوة نجاح تقابلها تعليقات “تحكامية” ساخرة تقلل من المجهودات وتفرغ المبادرات من محتواها، ليصبح الهدف الخفي لدى البعض هو تكريس ثقافة “كلشي كيف كيف” وإقناع الجميع بأن الاجتهاد عبث لا طائل منه.
وتعود جذور هذه الظاهرة الهجومية والمحبطة إلى مركبات اجتماعية ونفسية عميقة تطفو على السطح الرقمي، فأمام التحديات اليومية وضغط الواقع المعيشي، يتحول الفضاء الافتراضي لدى البعض إلى متنفس لتفريغ شحنات الغضب المكبوت والإحباط الفردي عبر استهداف الآخرين، كما أن غياب الوعي الرقمي بأداة الكلمة وتأثيرها، إلى جانب السعي المحموم نحو تصدر التفاعلات وجلب الانتباه ولو عبر “البوز” الرخيص والسب والقذف، جعل الهجوم المجاني هو العملة الرائجة وحين يصبح الشتم والتهكم وسيلة لإثبات الذات، يتوارى النقد البناء وتنتصر الشعبوية الرقمية.
والخطير في هذه الحرب الكلامية المشتعلة أن ضحاياها الأوائل هم فئة الشباب والمراهقين الأكثر إقبالاً على هذه المنصات، حيث أن التعرض المستمر لجرعات مكثفة من هذه التعليقات المحبطة، والتنمر الإلكتروني، والتبخيس الممنهج، يخلق بيئة نفسية شديدة السمية تغذي شعوراً جارفاً بالفشل، وتقتل روح المبادرة، ويدفع بالعديد من الطاقات الشبابية نحو قوقعة الانعزال، أو الاكتئاب، بل وربما الانكفاء التام عن أي مشاركة إيجابية في المجتمع خوفا من مقصلة الانتقاد الهدام.
إن استمرار هذا النزيف القيمي في منصات التواصل الاجتماعي يدق ناقوس الخطر ويستنفر الضمير الحي لكل الغيورين؛ فقد حان الوقت لتشريع حقيقي وواعي يجرم التنمر الإلكتروني، وإطلاق جبهة تربوية وثقافية لتحصين العقول والناشئة، وتذكير الجميع بأن الحرف الذي يخطه الإصبع في تعليق عابر قد يكون رصاصة تقتل طموح شاب أو تهدم مسار إنسان، فالكلمة أمانة والفضاء الرقمي مرآة لأخلاقنا الحقيقية، فهل من منقذ لهاته البيئة قبل أن تلتهم ما تبقى من بياض أرواحنا؟
