تروم تيارات سياسية بعينها التجييش وإفراغ القرارات المهمة من شحنتها الواقعية عبر خلق نقاش زائف. وهو ما نلمسه راهنًا بخصوص قرار إقرار رسوم متابعة الدراسة في أسلاك الإجازة والماستر والدكتوراه بالنسبة إلى أجراء القطاع الخاص وموظفي ومستخدمي القطاع العام.
والحق أن إقرار الرسوم وتفعيلها لا يُعد ضربًا أو تراجعًا عن مجانية التعليم؛ فالطالب يتابع دراسته وفق التوقيت العادي مجانًا، لأن الجامعة مؤسسة عمومية تضمن هذا الحق وتلتزم به. بالمقابل، خُصص «التوقيت الميسر» لفئة محددة انخرطت في الحياة المهنية واندَرَجت في سوق الشغل، ومن حقها أيضًا متابعة دراستها الجامعية بالتوازي مع عملها، ضمانًا لحقها في التعليم وتطوير كفاءتها. وبذلك نكون إزاء ترسيخ حق التعلم مدى الحياة.
فالرسوم هنا لا تلغي مجانية التعليم ولا تحل محلها، وإنما هي مجرد وسيلة لتحفيز الأساتذة والموظفين على الانخراط الإيجابي في «التوقيت الميسر»، وتغطية الوسائل اللازمة والموارد الضرورية للمؤسسة الجامعية، خاصة وأن الدراسة في التوقيت الميسر تُجرى في نهاية الأسبوع حتى لا تتعارض مع الزمن المهني.
إن التكوين الأساسي المجاني يؤدي وظيفة اجتماعية واضحة، تتجسد في تمكين الطلبة من الحصول على تكوين جامعي والولوج إلى الحياة المهنية، دون جعل القدرة المالية شرطًا للاستفادة من الجامعة العمومية. بيد أن الوضع يختلف عندما يتعلق الأمر بشخص مندمج أصلًا في سوق الشغل، ويتوفر على دخل، ويريد العودة إلى الجامعة بالتوازي مع نشاطه المهني لتطوير مؤهلاته أو الحصول على شهادة إضافية. فلا يجوز حرمانه من الدراسة، بل المطلوب هو إيجاد صيغة تسمح له بالدراسة دون أن تتحول دراسته إلى غياب منتظم عن العمل، ودون أن يتحول عمله إلى عذر دائم للغياب عن الجامعة.
فالواجب الوطني والأخلاقي يفترض ألا يتعارض حضور الموظف والعامل بالقطاع الخاص إلى مقر عمله مع متابعة مساره الأكاديمي، ولا سبيل إلى تجاوز هذا التعارض إلا عبر «التوقيت الميسر»، لأنه يراعي التوافق بين زمنين: الزمن المهني والزمن الجامعي.
وتجدر الإشارة إلى أنه قبل إقرار «التوقيت الميسر»، كانت الجامعة تستجيب للطلب المتزايد لاستكمال الدراسة بالنسبة إلى الموظفين والأجراء والمستخدمين والعاملين بالقطاع الخاص، من خلال نظام «التكوين المستمر»، مقابل رسوم تُتوَّج بشهادة جامعية، ولا تخول لحاملها متابعة الدراسة بالشروط نفسها المقررة لحاملي الدبلومات الوطنية.
ومن هنا، يصبح الاختيار الذي اعتمدته وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار متوازنًا، ويأخذ بعين الاعتبار مطالب الموظفين والأجراء والمستخدمين في القطاع الخاص لمتابعة دراستهم الجامعية عبر «التوقيت الميسر»، بالشروط نفسها المخولة للطلبة في هذا التوقيت.
إن استناد الجامعة المغربية إلى نظامَي «التوقيت العادي» و«التوقيت الميسر» يجعل من الجامعة العمومية فضاءً مفتوحًا لجميع المواطنين، ولا يُخلّ بمجانية التعليم، بل يضمن هذا الحق ويكفل التكوين الجامعي مدى الحياة، عبر التوفيق بين الالتزام المهني والمسار الأكاديمي.
فـ«التوقيت الميسر» يشكل فرصة حقيقية لتحديث الجامعة المغربية وجعلها أكثر انفتاحًا على الموظفين والمهنيين، بما يسمح بتوسيع قاعدة المستفيدين من الدراسات العليا، خاصة وأن التحولات المهنية والاجتماعية تستلزم تجاوز الصيغة التقليدية للطالب الجامعي. فلم يعد الطالب متفرغًا للدراسة بالضرورة، بل أضحى موظفًا أو مهنيًا يرغب في استكمال دراسته.
إن «التوقيت الميسر» يستجيب لمبدأ الجامعة المفتوحة التي تستوعب تنوع الأوضاع المهنية والاجتماعية، وترسخ حق التعليم مدى الحياة.
