واجهة لامعة وجيب خاوي: كيف صار “الزواق” ضريبة اجتماعية يدفعها المغاربة بالتقسيط

واجهة لامعة وجيب خاوي: كيف صار “الزواق” ضريبة اجتماعية يدفعها المغاربة بالتقسيط
العربية.ما / محمد شيوي

الصورة تعبيرية من الذكاء الاصطناعي

واجهة لامعة وجيب خاوي

نعم واجهة لامعة وجيب خاوي، حيث في كل موسم من مواسم الحياة الاجتماعية، تتحول أبواب الوكالات البنكية وشركات التمويل الصغير إلى ما يشبه محطات انتظار طويلة. وجوه متعبة وأوراق مبعثرة وحسابات تجرى على عجل، والغاية واحدة: أن تظهر الأسرة بالمظهر الذي يليق بها في أعين الناس. ولا يتعلق الأمر بأسر ميسورة تضيف بندا استثنائيا إلى ميزانيتها، بل بموظفين بسطاء وأجراء وحرفيين يقترضون مبالغ تعادل أجر شهرين أو ثلاثة، ثم يسددونها أقساطا تمتد شهورا وسنوات، وقد لا يبقى من المناسبة في الذاكرة سوى ثقل القسط الشهري.

إنها مسرحية كبرى عنوانها “الزواق”، وهي كلمة مغربية تختصر الكثير: الطلاء الخارجي الذي يخفي ما تحته، والمظهر الذي يتقدم على الجوهر، والصورة التي يراد لها أن تقول للناس إننا بخير، حتى ونحن نغرق. يظهر في الولائم التي تفيض عن حاجة المدعوين حتى يذهب نصفها إلى القمامة، وفي الأثاث الذي يشترى بالتقسيط ليرى الضيوف لا ليستعمله أهل البيت، وفي السيارة التي تثقل صاحبها بالدين لأن الجيران يملكون مثلها، وفي كل مناسبة يتحول فيها الفرح من لحظة صادقة إلى امتحان علني أمام لجنة تحكيم لا ترحم.

والسؤال الذي يفرض نفسه: لماذا يرضى أناس يعرفون حدود جيوبهم أكثر من غيرهم بأن يتجاوزوها طوعا؟ الجواب لا يكمن في الاقتصاد وحده، بل في علم النفس الاجتماعي. فالمجتمعات التي تقوم علاقاتها على القرب والتماسك العائلي والجيرة تمنح الفرد دفئا وسندا لا يعوضان، لكنها تفرض عليه في المقابل رقابة ناعمة لا تنام. الجار يعرف ما اشتريت وما لم تشتر، والقريبة تحصي وتقارن، والسؤال البسيط “ماذا سيقول الناس؟” يتحول إلى سلطة أخلاقية تفوق سلطة القانون، ويصير الخوف من الحكم الاجتماعي أقوى من الخوف من الإفلاس.

ولا يخفى أن هذا السلوك يجد من يغذيه ويضخمه. فمواقع التواصل الاجتماعي حولت الحياة الخاصة إلى عرض علني يقاس بعدد الإعجابات. صور المناسبات الفاخرة والمنازل المؤثثة بعناية والرحلات المصورة بعدسة مصقولة تتدفق على الشاشات، فتخلق مقياسا وهميا للنجاح يشعر معه الفرد البسيط أنه متخلف عن الركب إن لم يجارِ ما يرى. وهو لا يرى في الغالب أن كثيرا مما يعرض مستعار أو مدعوم أو مثقل بالديون. أما شركات القروض الاستهلاكية فقد التقطت الإشارة مبكرا، فصارت إعلاناتها تلمع بوعود الفرحة الفورية، وتخفي في الحروف الصغيرة نسب الفائدة وآجال السداد.

والمفارقة المرة أن الدين نفسه يفقد في هذه الحالة صفة المصيبة ليصير عادة مقبولة. فمن يقترض لأجل المظهر لا يشعر بالخجل من الدين بقدر ما يشعر بالفخر بما أنفق. غير أن الفرحة قصيرة والقسط طويل. وفي الشهور التي تلي المناسبة تبدأ الحقيقة في الظهور: أب يعمل ساعات إضافية ليسد فجوة صنعها بيده، وأم تقتصد في الغذاء والدواء لأن الأولوية صارت للبنك، وزوجان يبدآن حياتهما بدين ثقيل. وقد تتحول الخلافات المالية إلى خلافات زوجية، والضغط النفسي إلى أمراض صامتة، والحرج الاجتماعي إلى عزلة.

ولا ينبغي أن نتعامل مع الظاهرة بمنطق الإدانة الأخلاقية وحدها، فكثير ممن يقعون في فخها ضحايا لا مذنبون. إنهم يعيشون داخل منظومة قيم لا تكافئ الاعتدال بل تعاقبه بالنظرة والهمس والتعليق. فمن يكتفي بالقليل يوصف بالبخل، ومن يرفض الاقتراض يتهم بالتقصير في حق أسرته، ومن يختار البساطة يقال عنه ما يقال. هكذا يصبح الوقوف ضد التيار فعل شجاعة نادرة، لأن ثمنه اجتماعي قبل أن يكون ماديا.

ثم إن القيم التي يتذرع بها الناس لتبرير هذا الإنفاق تقف في الأصل على الضفة المقابلة. فتعاليم الدين وحكمة الأجداد تتفقان على أن الإسراف مذموم، وأن الاعتدال فضيلة، وأن المرء لا يكلف إلا وسعه. والمشكلة إذن ليست في الاحتفال ولا في الكرم، بل في أن العرف الاجتماعي سبق القيمة وغلبها، فصار الناس يؤدون طقوسا قيمتها في روحها بعقلية المباهاة التي تفرغها من معناها.

وإذا أردنا حلا فلن يأتي من خطبة وعظية ولا من قانون يمنع الإنفاق، بل من تحول تدريجي في الثقافة نفسها. يبدأ ذلك بأن يجرؤ أصحاب القدوة، من وجهاء الأحياء وأهل العلم والمشاهير وصناع المحتوى، على إظهار البساطة بفخر لا بخجل. ويمر بتربية الأجيال الجديدة على أن قيمة الإنسان لا تقاس بما يستعرضه. ويمتد إلى مؤسسات تفرض شفافية أكبر على إعلانات القروض الاستهلاكية، وتقدم بدائل ادخارية تساعد الأسر على التخطيط قبل الحاجة بدل الارتماء في أحضان الدين بعد فوات الأوان.

وفي المقابل، هناك بشائر صغيرة تستحق الانتباه. فثمة عائلات صارت تحتفل بمناسباتها في حدود إمكاناتها دون اعتذار، وشباب يعلنون بلا حرج أنهم يفضلون الاستثمار في مستقبلهم على إبهار الآخرين، وأسر تتقاسم الأعباء وتكتفي بما تيسر. هذه النماذج لا تزال أقلية، لكنها تثبت أن الخروج من أسر المظاهر ممكن، وأن المجتمع الذي صنع هذه العادة قادر على تغييرها حين يقتنع بأن الكرامة الحقيقية لا تحتاج إلى زواق.

فالمغربي الذي يقترض ليرضي الجيران لا يشتري في الحقيقة مظهرا ولا مكانة، بل يشتري هدنة مؤقتة مع نظرة المجتمع، يدفع ثمنها من راحة باله ومستقبل أبنائه. وحين يدرك الجميع أن الجار نفسه يعاني من الضغط ذاته، وأن الكل ينتظر من يبدأ بكسر القاعدة، قد تنهار هذه المسرحية الجماعية من تلقاء نفسها، ويتنفس الناس الصعداء.

Exit mobile version