المرأة المغربية: بين المكتسبات والتحديات في مسار المشاركة السياسية

2 أبريل 2024
المرأة المغربية: بين المكتسبات والتحديات في مسار المشاركة السياسية
هندة دريوش

تعد المرأة شريكا أساسيا في تحقيق أهداف التنمية وتطوير المجتمع، ولقد شهدت العقود الأخيرة وخاصة فترة ما قبل الحراك العربي اهتماما متزايدا بالدور الذي تضطلع به المرأة داخل المجتمعات العربية، وخصوصا أنه لا يمكن حدوث أي تحولات أو تقدم دون دور فاعل للمرأة. ولقد فطنت الدول الغربية لهذا الأمر ولأهمية تفعيل دور المرأة داخل المجتمع،وآمنت بان لا تقدم فعلي دون إشراك المرأة في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، و وعلى هذا الأساس صدرت العديد من الاتفاقيات منذ القرن الماضي

وتبقى قضية المرأة المحك الحقيقي لتقدم وتطور الشعوب ، ودليل على توازن المجتمع وانتقاله إلى مصاف المجتمعات الديمقراطية، بل أن هناك ارتباط وثيق بين تحرر المجتمع وتحرر المرأة، ومقياس لمدى انفتاحه نحو الداخل كما الخارج.

وفي المغرب ، فإن قضية المرأة ومشاركتها في جميع مناحي الحياة داخل المجتمع احتل حيزا هاما من النقاش والجدال ، استطاعت من خلالها المرأة تحقيق قفزة نوعية على جميع المستويات، وحققت مكاسب مهمة في مجالات سياسية واقتصادية وقانونية، ولان تقدم المرأة هو أحد مرتكزات تعزيز الانتقال الديمقراطي وبناء الدولة الحديثة.

ويبقى النهوض بحقوق المرأة ونشر ثقافة وقيم المساواة والإنصاف، خيار وضرورة تتحملها كل مكونات المجتمع المغربي سواء تعلق الأمر بالسلطات العمومية والحكومية، أو المنظمات غير الحكومية و كل قوى المجتمع المدني.

لكن ما عاشته وتعيشه المرأة المغربية لم يكن وليد اللحظة بقدر ما كان نتيجة مجهودات وصراعات خاضتها المرأة والرجل على حد سواء مع وجود العديد من العراقيل القانونية والمجتمعية والسوسيولوجية،

تشكل المرأة المغربية أزيد من نصف ساكنة المغرب، ويغلب عليها الطابع الشبابي، وهو ما شكل احد أهم الدوافع التي جعلت من انخراطها داخل المجتمع بشكل فعلي أمرا ملحا على اعتبار أن المرأة شريك أساسي في تحقيق التنمية المجتمعية وليس مجرد تابع.

ولقد سجلت العشرية الأخيرة تقدما ملحوظا لدور المرأة والذي جاء نتيجة لتضافر العديد من العوامل ومن أهمها تنامي حركات ديمقراطية وحقوقية تجسدت في نضالات الحركات النسائية وحضورها بشكل مكثف في مختلف هيئات المجتمع المدني. حتى أصبحت المرأة تلعب دورا محوريا داخل المجتمع.

وبالعودة إلى الدستور المغربي الجديد لسنة 2011 نجده ينص في تصديره على أن المغرب “يرتكز على مبادئ المساواة وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية”، كما نص في فصله السادس على أن “تعمل السلطات العمومية على توفير الظروف التي تمكن من تعميم الطابع الفعلي لحرية المواطنات والمواطنين، والمساواة بينهم، ومن مشاركتهم في الحياة السياسية”، أما الفصل التاسع عشر فقد أكد على أنه “يتمتع الرجل والمرأة على قدم المساواة بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية الواردة في هذا الباب من الدستور وفي مقتضياته الأخرى، وكذا في الاتفاقيات والمواثيق الدولية كما صادق عليها المغرب، وكل ذلك في نطاق أحكام الدستور وثوابت المملكة وقوانينها”

وبما أن المغرب كان ولا زال يقول بتبنيه للنظام الديمقراطي فقد كان لا مناص من أن يتبنى مقاربة إشراك المرأة في كل مناحي الحياة، وعلى هذا الأساس أكدت حكومة التناوب (1998 ـ 2002) و العاهل المغربي ومنذ توليه العرش سنة 1999 بالتزامه بالنهوض بمكانة النساء وتحسين أوضاعهن.

ومن هذا المنطلق انخرط المغرب في عدد من الاتفاقيات الدولية ومن أبرزها اتفاقية مؤتمر بكين والقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (السيداو) والتي تنص على أن “التنمية التامة والكاملة لبلد ما ورفاهية العلم، وقضية السلم، تتطلب جميعا أقصى مشاركة ممكنة من جانب المرأة على قدم المساواة مع الرجل في جميع الميادين”. بل إن المغرب كان من أوائل الدول العربية التي تصادق على هذه الاتفاقية.

ومع أن المغرب كان جريئا في مصادقته على العديد من التوصيات والاتفاقيات العالمية إلا انه لم يتم تفعيل كل البنود على ارض الواقع، لكن مسلسل الإصلاحات استمر بشكل تصاعدي وشكل النهوض بالمرأة انشغالا حكوميا، وتم اتخاذ مجموعة من التدابير توجت بأهم مكسب للمرأة المغربية وهو إصلاح قانون الأسرة وصدور مدونة الأحوال الشخصية.

ولقد شكلت المدونة منعطفا حقيقيا في تاريخ التشريع المغربي، وقفزة نوعية في تاريخ تعزيز حقوق المرأة والطفل. حيث تم تغيير بنود قانون الأحوال الشخصية لصالح المرأة والطفل وخاصة ما يتعلق في حقها في الزواج والطلاق والولاية والحضانة. وتلت هذه الخطوة العديد من الانجازات من أهمها منح الأم المغربية الجنسية لأبنائها من زوج غير مغربي، كما تم اعتماد الإستراتيجية الوطنية لمناهضة العنف والتحرش الجنسي ضد النساء واستحدثت مراكز استماع وخلايا للنساء العنف في المستشفيات ومراكز الشرطة وجمعيات المجتمع المدني.

ويمكن القول أن مرحلة التحديث التي دخل فيها المغرب تصادم وبعض التيارات المحافظة والتي رفضت التنازل عن بعض الملامح التقليدية داخل المجتمع المغربي، ولم تستسغ هذه التحولات وطالبت بالحفاظ على أنماط السلوك التقليدية، غير أن هذه الأصوات خفت بعد أن أبانت التجربة كيف أن تفعيل بنود هذه التشريعات الجديدة خدم مصلحة المرأة والطفل وحقق التوازن المطلوب داخل الأسرة والمجتمع ككل.

لكن حضور المرأة في مراكز القرار ظل محدودا، ولم يفض تطور وضعيتها السياسية والاقتصادية إلى تحسين تمثيلها السياسي بسبب إكراهات الحقل السياسي والاقتصادي والاجتماعي واستمرار النظر إلى المرأة على أنها كائن غير سياسي.

إن الإدراك العلمي لواقع المشاركة السياسية للمرأة يتطلب ربطه بالتطورات التاريخية والتشريعية لمشاركة المرأة السياسية، فمنذ الاستقلال وإلى وقت قريب كانت المرأة مجرد موضوع للسياسة وليس فاعلا فيها واقتصرت مشاركتها الفعلية ولزمن طويل على التصويت فقط.

ويمكن القول أن إدماج المرأة في كل مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية للدولة لا يرتبط فقط بفتح باب مشاركتها وولوجها إلى البرلمان والمجالس بقدر ما يرتبط بتمكينها الفعلي في اتخاذ القرارات الحيوية داخل الدولة وفي كل المجالات، وهو ما يصطدم بدوره بعدد من الاكراهات التي تعوق هذه المشاركة.

فعلى مستوى التعليم والتمدرس نجد أن نسبة الأمية بالمغرب مرتفعة بشكل مرعب وخاصة في صفوف المرأة القروية مقارنة مع الذكور، وهذا يرجع إلى تدني مستوى التعليم وارتفاع نسبة الهدر المدرسي بالمغرب، كما يرتبط بالتوزيع الغير الرشيد للمدراس في مختلف أرجاء المملكة وهو ما يمنع الفتيات خاصة من تتميم تعليمهم لوجود المدارس بعيدا عن مقر سكناهم. وهذا ما يعني أن الدولة أمامها تحدي كبير فيما يخص تشجيه التمدرس والقضاء على الأمية في صفوف النساء الراشدات.

وعلى المستوى الاقتصادي والاجتماعي فالمرأة داخل المجتمع المغربي لازالت تعاني من ظروف الفقر والبطالة بنسب اكبر من الرجل، ومع أن الدولة وهيئات المجتمع المدني اتخذت خطوات ملموسة في هذا الإطار والمتمثلة في المشاريع الصغيرة وخاصة على مستوى القرى والبوادي الفقيرة، وتشجيع الإنتاج المحلي والمقاولات الصغرى. إلا أن هذه الاجراءات تبقى غير كافية وخاصة في ظل الظروف والأزمات الاقتصادية الحالية.

أما على المستوى السياسي فعوائق المشاركة أيضا متعددة ومتنوعة ومرتبطة من جهة بالمجتمع نفسه ومن جهة أخرى بالهيئات السياسية داخل الدولة، ويظهر ضعف مشاركة المرأة في ضعف تمثيلها في الهيئات السياسية داخل الدولة كالحكومة والبرلمان والنقابات والأحزاب.

وتشير الدراسات دائما إلى أن هناك نماذج مغلقة حول المرأة من طرف الرجل والمرأة على السواء تعتبر أن المرأة غير قادرة على مزاولة العمل السياسي واتخاذ القرارات الحاسمة والمهمة وأن قدراتها أقل من قدرات الرجل الذي يبدو أكثر عقلانية وأكثر مسؤولية. بل إن الدراسات والإحصائيات أوضحت كيف أن معظم النساء صوتن لصالح الذكور، وهو ما يؤكد سيطرة العقلية الذكورية داخل المجتمع المغربي شأنه شأن باقي الدول العربية

ويمكن التأكيد على أن المغرب شأنه شان العديد من الدول العربية ودول العالم الثالث لازال في مرحلة استيعاب أهم مكونات وميكانيزمات النظام الديمقراطي وخاصة فيما يتعلق بتدبير الشأن العام وإشراك كل فعاليات المجتمع المهمشة سواء منها النساء أو الشباب. وهو ما يفرض على كل قنوات التنشئة الاجتماعية كالإعلام والأحزاب والمدرسة والمؤسسات الدينية الاشتغال أكثر على مسألة طرح وإيصال قيم جديدة داخل المجتمع وتغيير الثقافة التقليدية السائدة ،وخاصة البطريكية منها، وتعزيز تعيين المرأة في مراكز القيادة والمسؤولية في المديريات والوزارات، وتجاوز التعامل مع المرأة كقضية نظرية يتم الرجوع إليها على حسب متطلبات ظرفية معينة كالانتخابات أو الاستحقاقات النيابية.

ولقد عاشت المرأة المغربية العديد من المخاضات في ظل التغيرات الأخيرة وخاصة مع بداية الحراك العربي وما شهدته المنطقة العربية من تحولات اجتماعية وسياسية واقتصادية وعلى مستوى أنظمة الحكم بها.

ومنذ اندلاع الثورات في العالم العربي بدا جليا كيف أن المرأة كانت حاضرة ومتواجدة في كل الحركات الثورية وكل مظاهرات الاحتجاج ولم تتخلف عن مسيرة التغيير، وكانت تتظاهر وبقوة إلى جانب الرجل في الميدان ولم تمنعها الأفكار التقليدية من ذلك، وهو ما يؤكد أن الحراك العربي لم يكن لينجح دون المشاركة الفعالة والقوية للمرأة. وعلى غرار باقي الدول العربية فقد عاش المغرب على إيقاع حراك في الشارع المغربي مع مطالبات بالإصلاح وتنزيل دستور ديمقراطي مع فصل جدي للسلطات وإقرار قضاء مستقل ووضع حد للبطالة والاعتراف باللغة الرسمية كلغة رسمية بالبلاد إلى جانب اللغة العربية…. ولقد خرج آلاف المغاربة استجابة لنداء شبابي يوم 20 فبراير 2011 وكانت المرأة حاضرة وبقوة خلال هذه المظاهرات متبنية نفس مطالب الرجل، كما تعرضت نسبة منهن للاعتقالات والمحاكمات.

لكن المرأة باختيارها المشاركة في الحراك عربي كانت قد تجاوزت مطالب المشاركة إلى الطموح في اقتسام السلطة، ومع أن المراة المغربية حققت بعض المكاسب كالاعتراف الدستوري بمساواتها مع الرجل وارتفاع عدد المقاعد في مجلس النواب من ثلاثين إلى ستين مقعدا، إلا أنها لم تكن تعرف أنها تضع أمامها عقبات جديدة بظهور بعض الأصوات المحافظة، بل إن المكاسب التي حققتها في العشريتين الأخيرتين شهدت تراجعا وخاصة على مستوى تمثيليتها في الحكومة ووجدت نفسها تغيب من جديد عن العديد من مراكز القرار الحيوية والمهمة داخل الدولة.

وما لا يمكن حصره على مستوى المغرب فقط ولكن تعميمه على مستوى الدول العربية ككل، حيث وجدت المرأة نفسها تعيش على إيقاع هاجس تحصين المكتسبات التي حققتها، وهو ما يعني أن المرأة مطالبة أكثر بمزيد من العمل، كما أن الحكومة والمجتمع مطالبين بمزيد من الإنصاف والمساواة بين الجنسين وإدماج مقاربة النوع الاجتماعي في السياسات والبرامج التنموية وكل ما له علاقة بنهضة المجتمع. وفي الأخير يمكن التأكيد على أن مشاركة المرأة تبقى أمرا ضروريا وملحا يفرضه الواقع ويفرضه انخراط المغرب في مسلسل الديمقراطية والحداثة

بعض الاكراهات حسب استطلاعات الرأي :

اعتقاد المرأة بالتحيز ضدها: تعتقد الكثير من النساء بأن البيئة السياسية تتحيز ضدهن وتُعطي الأفضلية للرجال؛ ممّا يحدّ من مشاركتهن في الحياة السياسية بشكل كبير.

التحيز الجنساني: قامت النساء بمُنافسة الرجال على المناصب القيادية في بعض الدول حول العالم؛ إلّا إنّ بعض هذه المُنافسات ولّدت شعورًا عند النساء بالتحيّز الجنساني ضدهن؛ كما حصل مع هيلاري كلينتون وسارة بالين عند الترشح للرئاسة الأمريكية.

قدرة المرأة على المُنافسة: ترى الكثير من النساء أنفسهن أقلّ قدرة على المُنافسة في البيئة السياسية من الرجال؛ ممّا يؤدي إلى ابتعادهن عن هذه المجالات في الكثير من الدول حول العالم.

المسؤولية الاجتماعية للمرأة: تتولّى المرأة مسؤولية رعاية الأطفال ومسؤوليات المُحافظة على المنزل في كثيرٍ من المُجتمعات، وهو ما يُقلّل من نسبة المشاركة السياسية للمرأة في هذه المُجتمعات على نحوٍ كبير.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.