في الحاجة إلى مقاربة جديدة لتوزيع قفة رمضان بدائرة الرماني 

19 مارس 2024
في الحاجة إلى مقاربة جديدة لتوزيع قفة رمضان بدائرة الرماني 

في كل سنة يتكرر أمامنا مشهد طابور طويل من بؤساء هذا الوطن ينتظرون وصول دورهم للحصول على قفة رمضان، في صورة مأساوية تعكس واقع بلد جل ساكنيه في الدرك الأسفل من الفقر والحکرة، ولو أنهم أغنياء لاكتفوا بما عندهم وزهدوا فيما عند “الدولة” ولكن ليس أمامهم إلا أن يصطفوا مع اخوانهم في طابور البؤس ، يحسبهم الجاهل اغنياء من التعفف ، وهم فقراء ، اشقياء، بهم خصاصة، تعرفهم بسيماهم ..

 

وقد رأينا كثيرا من المعوزين لم ينالوا حظا مما أوقفه أمير المؤمنين للفقراء والمحتاجين في شهر رمضان، فلم يجدوا بدا من الصراخ والاحتجاج والانتفاض في وجه السلطة المحلية وأعوانها من اعتبروهم سببا في الاقصاء والحرمان من قفة رمضان ، فاستحقها بعض من مَنَّ الله عليهم بالخير الكثير والرزق الوفير وحرمها من لا يملك شيئا وهو من أشدهم حاجة واستحقاقا.

وغير بعيد عن عاصمة الرباط، سيدة في عقدها الخامس تسكن بمدينة الرماني إقليم الخميسات، انفجرت غضبا في وجه السلطة المحلية معبرة عن سخطها واحتجاجها ضد الطريقة التي توزع بها القفف، بما وجدته من ظلم وتسيب وانعدام ضمير، فكان من أمرها أن خلعت ملابسها سبيلا وحيدا لاسترداد حقها المهضوم في بلد لا يعترف بالحق لصاحبه إلا بعد سلوك طرق من الاحتجاج ليست في حكم الإمكان بالنسبة لإنسان لا يجد في نفسه شعورا طبيعيا يحضه على الدفاع عن الخير والعدل، إلا أن يصير تهورا بفعل عدم التبصر وغلبة العاطفة وعمى العقل..

 

هذه السيدة ظفرت أخيراً بحقها الذي حاول أن يزحف عليه من لا مذهب له ولا أخلاق، احتجت بطريقتها فحصلت على مرادها، ولو أن لها ما يسد حاجتها ويكفيها مؤونتها طيلة الشهر الفضيل لما احتاجت إلى كشف جزء من جسدها للناس وهي في تلك الحال غيبها عن وعيها شعور عميق بالظلم والقهر والتسلط ، وللزمت بيتها ككل قنوع شكور يكف النظر الى ما في ايدي الناس خشية ذهاب ما في يده، ولكنها قسوة الحياة يا سادة !

 

وأعجب ما عجبت له تصرف بعض من اعوان السلطة في حقوق العباد تصرف من يملك الرقاب وله تصريف أمر الكون كله ، فيفعلون في اللوائح الأفاعيل ، يعطون هذا ويمنعون ذاك، ويجعلون الوجاهة مقدمة على حاجة الناس التي هي حقيقة حالهم المعيشي ، فيتحقق بذلك الحرمان وبالتالي لحاق الظلم بالمعوزين والمحتاجين الذين هم أولى الناس بقفة رمضان من غيرهم ، وإنه لإسراف والله لا يحب المسرفين .

ولقد تحولت كثير من مراكز التوزيع إلى فضاء مفتوح للصراع والتطاحن بين الفقراء والمحتاجين ، بأسهم بينهم شديد، تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى، فمن كانت خالته في العرس نال نصيبه ولو بعد حين وأما الضعفاء فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون.

 

ولما كان الضمير أداة لكبح جماح النفس وانطلاقها في فعل ما يوجب التقريع والعقاب ومنع الإتيان بما يخالف الشرع ويخرق القانون ويستشنعه المجتمع على صاحبه من افعال مشينة تضر بمصالح الناس، فإن ذلك مما يحتاج إليه بعض من اعوان السلطة والمسؤولين والسياسيين الذين أبدوا افتقارا شديدا لردع قوي من وجهين، النفس والذات، حيث إن الذي يملك ضميرا حيا لا يقدر على اتيان أفعال غير مشروعة من شأنها الحاق الضرر بمصالح الناس ، واما من لا ضمير له يردعه فذاك ممن يحتاج إلى إظهار الحجة عليه ومحاسبته ومعاقبته فيكون عبرة لغيره ممن لهم مسؤولية على الأفراد صغيرة كانت أو كبيرة، والمجتمع المدني الحي له دور في محاربة الفاسدين والظلمة وأهل الفجور السياسي الذين طاوعتهم أنفسهم على بخس الناس أشياءهم وهضم حقوقهم، فعلى القوى الحية أن تكون حاضرة متتبعة لكل الشؤون منصرفة إلى معالجة ما فسد في المجتمع وفرض واقع ملتزم بتطبيق القانون ومنصرف إلى تحقيق العدالة الإجتماعية.

لقد بات سلوك بعض أعوان السلطة تكرارا لعهد رجعي مسنود بفعل التجاوز، وإن من واجب الداخلية أن تعيد النظر في طريقة توزيع قفة رمضان مع ضرورة اعتماد تحول أداتي في آليات استهداف الأشخاص المستفيدين والتركيز على تحديد معايير أكثر دقة فلا يخاف معها المرء ظلما ولا هضما، كما أنه أصبح مفروضا على الداخلية إجراء تعديل على اللوائح حتى تكون مرآة حقيقية تعكس الواقع الحقيقي، وأن تقوم بالبحث في وضعيات الأسر المقيدة والتأكد من أنها تستحق الإستفادة حقا وحقيقة فلا يعود هناك تلاعب أو تحايل..

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.