بين ظلام الليل و عتمة النفوس : مقاربة نقدية لزجلية « سواد القلوب »
ليست زجلية « سواد القلوب » عند الشاعر و الصحفي المقتدر ” الأستاذ محمد شيوي ” مجرد بناء لغوي قائم على الإيقاع و الصورة الشعبية ، بل هي في جوهرها نص اعترافي موارب ، خرج من رحم تجربة إنسانية معاشة ، ولدت من احتكاك مباشر بوجوه من الحياة أرهقت الروح بما تحمله من غدر و جحود و سواد داخلي . و لذلك تبدو القصيدة و كأنها ليست مكتوبة بالحبر ، بل بخلاصة خيبة أخلاقية عميقة ، جعلت الشاعر يعيد مساءلة الإنسان لا الطبيعة ، و القلب لا الليل ، و الضمير لا الظلام الخارجي . منذ المطلع ، يعلن النص انحيازه الواضح إلى هذا التمييز الفلسفي الدقيق بين ظلام الكون و ظلام النفوس : « ما يخلعني ليل … واخا يطول ظلامو الليل عندو ميعاد ، و تغرب ايامو » فالليل ، مهما اشتد سواده ، يبقى وفيا لقانون الطبيعة ؛ يبدأ لينتهي ، و يعتم ليفسح الطريق للفجر . أما سواد القلوب فهو ـ في وعي ” محمد شيوي ” ـ عتمة لا تخضع لقوانين الزمن ، لأنها تنبع من الداخل ، من خراب الضمير و اختلال البوصلة الأخلاقية . و من هنا تتجلى القيمة الفكرية العميقة للزجلية ؛ إذ ينتقل النص من وصف ظاهرة كونية إلى تشريح مأساة إنسانية ، و كأن ” محمد شيوي ” يقول إن أكثر ما يخيف الإنسان ليس ما تراه العين ، بل ما تخفيه النفوس . و لعل أجمل ما في هذه الزجلية أنها لا تتحدث عن الشر بوصفه فكرة مجردة ، بل بوصفه تجربة معاشة أوجعت صاحبها و أثقلت وجدانه . لذلك تأتي اللازمة الشعرية محملة بحرارة الصدق الإنساني : « أنا اللي يخلعني .. سواد القلوب حيت لغدر فيها ، محال يتوب » إننا هنا أمام شاعر لا ينظر ( من التنظير ) للأخلاق من برج لغوي مرتفع ، بل يتكلم من داخل جرح التجربة . فالغدر الذي يتكلم عنه ليس مفهوما نظريا ، إنما أثر إنساني خلفته مواقف و أشخاص و أقنعة سقطت أمامه ، فصار يرى أن أخطر أنواع الظلام هو ذلك الذي يستقر في القلب حتى يفقد الإنسان القدرة على الرحمة و التسامح . و تبلغ الزجلية ذروتها الجمالية و الفكرية في هذه الصورة المكثفة : « قلب كحل من لداخل ، و ما صاب عيوب » إنها صورة ذات عمق سيكولوجي و أخلاقي بالغ ؛ فالقلب الأسود لا يكتفي بإيذاء الآخرين ، بل يفقد أيضا القدرة على نقد ذاته و مراجعة أخطائه . و هنا تتحول الزجلية إلى إدانة ضمنية لذلك الإنسان الذي يتقن تبرير الشر و يعيش داخل عتمته و كأنها حقيقة مطلقة . أما من الناحية الفنية ، فقد استطاع ” الأستاذ محمد شيوي ” أن يمنح اللغة الزجلية بعدا جماليا راقيا دون أن يفقدها عفويتها الشعبية . فالنص مشبع بإيقاع داخلي هادئ ، و بصور تنتمي إلى المخيال اليومي المغربي ، غير أنها ترتقي إلى مستوى الرمز الإنساني الرحب . فالليل ، و السحاب ، و الفجر ، و الشوك ، و الضياء ، ليست مجرد عناصر وصفية ، بل علامات رمزية تشيد داخل النص ثنائية كبرى بين النور الأخلاقي و العتمة الروحية . و في المقطع الثاني ، يواصل الشاعر بناء هذا التقابل الرمزي : « سواد ليل ، يتبعه نور الفجر يبان يضوي لمدينة ، و تزهى به لغصان » إن الطبيعة ، في منظور النص ، تملك دائما قدرتها على التعافي ؛ الفجر يعود ، و الضوء ينتصر ، و الحياة تستعيد إشراقها . لكن المفارقة المؤلمة تظهر في السؤال العميق الذي يشكل قلب الزجلية النابض : « و لكن سواد القلوب .. فجرو فين غيطل ؟ » إنه سؤال يتجاوز حدود الشعر إلى أفق التأمل الوجودي ؛ لأن ” محمد شيوي” هنا لا يبحث عن فجر زمني ، بل عن فجر أخلاقي قادر على تطهير الإنسان من أحقاده . و لذلك يبدو النص و كأنه صرخة هذا التوحش المعنوي الذي بدأ يغزو العلاقات الإنسانية و يفرغها من قيم المودة و الوفاء . و تأتي الخاتمة محملة بنفس إصلاحي و روحي رفيع : « يا ربي صفي القلوب .. و اجعلها بيضا حليب » فبعد كل هذا الألم ، لا يسقط الشاعر ” محمد شيوي ” في نزعة تشاؤمية قاتمة ، بل يظل مؤمنا بإمكانية الصفاء الإنساني . و هنا تتجلى نبل التجربة الشعرية عند ” محمد شيوي” ؛ إذ يحول معاناته الخاصة الى دعوة جماعية للمحبة و التسامح و نقاء السريرة . إن زجلية « سواد القلوب » نص يكتب الإنسان قبل أن يكتب الواقع ، و يصغي إلى أنين القيم و هي تتآكل داخل النفوس . و قد استطاع “الأستاذ محمد شيوي ” ، انطلاقا من تجربة عاشها بمرارتها و صدقها ، أن يمنح الزجل المغربي لحظة شعرية نادرة ، يمتزج فيها الوجع الشخصي بالحكمة الإنسانية ، و اللغة الشعبية بالتأمل الأخلاقي العميق ، فخرج النص نابضا بالصدق ، مشعا بالحس الإنساني ، و مفتوحا على أسئلة الروح و الضمير .
” الليل كيسالي مع الضحكة الأولى ديال الشمس ، و لكن اللي قلبو كحل ، واخا تشعل ليه ألف شمعة ، كيبقى ديما غارق في ظلامو ..
« سواد القلوب »
ما يخلعني ليل .. واخا يطول ظلامو
الليل عندو ميعاد ، و تغرب ايامو
و ما يخلعني سحاب .. واخا يغمام علامو
الريح كيديه ، و تصفي مقامو
أنا اللي يخلعني .. سواد القلوب
حيت لغدر فيها ، محال يتوب
قلب كحل من لداخل ، و ما صاب عيوب
عايش فالضلمة ، و كيغطي لذنوب
سواد الليل ، يتبعه نور الفجر
يبان يضوي لمدينة ، و تزهى بيه لغصان
تشرق شميسة ، و تفرح كل عين و اللسان
و تغرد لطيور ، و تنسينا فلي كان
و لكن سواد القلوب .. فجرو فين غيطل
محبوس فالحقد ، و عقلو ديما حاصل
لا سماحة لا رحمة ، واها تعطيه العدل
كيزرع الشوك ، و يحصد غير الخل
يا ربي صفي القلوب ، واجعلها بيضا حليب
ما فيها غل ، لا حقد .. و لا عيب
قريب خلي الود فينا ، و الكلمة ديما نصيب
باش يضوي نهارنا ، و نعيشو في حب عجيب
محمد شيوي
