بين ظلام الليل و عتمة النفوس : مقاربة نقدية لزجلية « سواد القلوب » للشاعر و الصحفي المقتدر محمد شيوي

13 مايو 2026
بين ظلام الليل و عتمة النفوس : مقاربة نقدية لزجلية « سواد القلوب » للشاعر و الصحفي المقتدر محمد شيوي
العربية.ما / عبد الرزاق سكيوس
بين ظلام الليل و عتمة النفوس : مقاربة نقدية لزجلية « سواد القلوب »

ليست زجلية « سواد القلوب » عند الشاعر و الصحفي المقتدر ” الأستاذ محمد شيوي ” مجرد بناء لغوي قائم على الإيقاع و الصورة الشعبية ، بل هي في جوهرها نص اعترافي موارب ، خرج من رحم تجربة إنسانية معاشة ، ولدت من احتكاك مباشر بوجوه من الحياة أرهقت الروح بما تحمله من غدر و جحود و سواد داخلي . و لذلك تبدو القصيدة و كأنها ليست مكتوبة بالحبر ، بل بخلاصة خيبة أخلاقية عميقة ، جعلت الشاعر يعيد مساءلة الإنسان لا الطبيعة ، و القلب لا الليل ، و الضمير لا الظلام الخارجي . منذ المطلع ، يعلن النص انحيازه الواضح إلى هذا التمييز الفلسفي الدقيق بين ظلام الكون و ظلام النفوس : « ما يخلعني ليل … واخا يطول ظلامو الليل عندو ميعاد ، و تغرب ايامو » فالليل ، مهما اشتد سواده ، يبقى وفيا لقانون الطبيعة ؛ يبدأ لينتهي ، و يعتم ليفسح الطريق للفجر . أما سواد القلوب فهو ـ في وعي ” محمد شيوي ” ـ عتمة لا تخضع لقوانين الزمن ، لأنها تنبع من الداخل ، من خراب الضمير و اختلال البوصلة الأخلاقية . و من هنا تتجلى القيمة الفكرية العميقة للزجلية ؛ إذ ينتقل النص من وصف ظاهرة كونية إلى تشريح مأساة إنسانية ، و كأن ” محمد شيوي ” يقول إن أكثر ما يخيف الإنسان ليس ما تراه العين ، بل ما تخفيه النفوس . و لعل أجمل ما في هذه الزجلية أنها لا تتحدث عن الشر بوصفه فكرة مجردة ، بل بوصفه تجربة معاشة أوجعت صاحبها و أثقلت وجدانه . لذلك تأتي اللازمة الشعرية محملة بحرارة الصدق الإنساني : « أنا اللي يخلعني .. سواد القلوب حيت لغدر فيها ، محال يتوب » إننا هنا أمام شاعر لا ينظر ( من التنظير ) للأخلاق من برج لغوي مرتفع ، بل يتكلم من داخل جرح التجربة . فالغدر الذي يتكلم عنه ليس مفهوما نظريا ، إنما أثر إنساني خلفته مواقف و أشخاص و أقنعة سقطت أمامه ، فصار يرى أن أخطر أنواع الظلام هو ذلك الذي يستقر في القلب حتى يفقد الإنسان القدرة على الرحمة و التسامح . و تبلغ الزجلية ذروتها الجمالية و الفكرية في هذه الصورة المكثفة : « قلب كحل من لداخل ، و ما صاب عيوب » إنها صورة ذات عمق سيكولوجي و أخلاقي بالغ ؛ فالقلب الأسود لا يكتفي بإيذاء الآخرين ، بل يفقد أيضا القدرة على نقد ذاته و مراجعة أخطائه . و هنا تتحول الزجلية إلى إدانة ضمنية لذلك الإنسان الذي يتقن تبرير الشر و يعيش داخل عتمته و كأنها حقيقة مطلقة . أما من الناحية الفنية ، فقد استطاع ” الأستاذ محمد شيوي ” أن يمنح اللغة الزجلية بعدا جماليا راقيا دون أن يفقدها عفويتها الشعبية . فالنص مشبع بإيقاع داخلي هادئ ، و بصور تنتمي إلى المخيال اليومي المغربي ، غير أنها ترتقي إلى مستوى الرمز الإنساني الرحب . فالليل ، و السحاب ، و الفجر ، و الشوك ، و الضياء ، ليست مجرد عناصر وصفية ، بل علامات رمزية تشيد داخل النص ثنائية كبرى بين النور الأخلاقي و العتمة الروحية . و في المقطع الثاني ، يواصل الشاعر بناء هذا التقابل الرمزي : « سواد ليل ، يتبعه نور الفجر يبان يضوي لمدينة ، و تزهى به لغصان » إن الطبيعة ، في منظور النص ، تملك دائما قدرتها على التعافي ؛ الفجر يعود ، و الضوء ينتصر ، و الحياة تستعيد إشراقها . لكن المفارقة المؤلمة تظهر في السؤال العميق الذي يشكل قلب الزجلية النابض : « و لكن سواد القلوب .. فجرو فين غيطل ؟ » إنه سؤال يتجاوز حدود الشعر إلى أفق التأمل الوجودي ؛ لأن ” محمد شيوي” هنا لا يبحث عن فجر زمني ، بل عن فجر أخلاقي قادر على تطهير الإنسان من أحقاده . و لذلك يبدو النص و كأنه صرخة هذا التوحش المعنوي الذي بدأ يغزو العلاقات الإنسانية و يفرغها من قيم المودة و الوفاء . و تأتي الخاتمة محملة بنفس إصلاحي و روحي رفيع : « يا ربي صفي القلوب .. و اجعلها بيضا حليب » فبعد كل هذا الألم ، لا يسقط الشاعر ” محمد شيوي ” في نزعة تشاؤمية قاتمة ، بل يظل مؤمنا بإمكانية الصفاء الإنساني . و هنا تتجلى نبل التجربة الشعرية عند ” محمد شيوي” ؛ إذ يحول معاناته الخاصة الى دعوة جماعية للمحبة و التسامح و نقاء السريرة . إن زجلية « سواد القلوب » نص يكتب الإنسان قبل أن يكتب الواقع ، و يصغي إلى أنين القيم و هي تتآكل داخل النفوس . و قد استطاع “الأستاذ محمد شيوي ” ، انطلاقا من تجربة عاشها بمرارتها و صدقها ، أن يمنح الزجل المغربي لحظة شعرية نادرة ، يمتزج فيها الوجع الشخصي بالحكمة الإنسانية ، و اللغة الشعبية بالتأمل الأخلاقي العميق ، فخرج النص نابضا بالصدق ، مشعا بالحس الإنساني ، و مفتوحا على أسئلة الروح و الضمير .

” الليل كيسالي مع الضحكة الأولى ديال الشمس ، و لكن اللي قلبو كحل ، واخا تشعل ليه ألف شمعة ، كيبقى ديما غارق في ظلامو ..

« سواد القلوب »

ما يخلعني ليل .. واخا يطول ظلامو

الليل عندو ميعاد ، و تغرب ايامو

و ما يخلعني سحاب .. واخا يغمام علامو

الريح كيديه ، و تصفي مقامو

أنا اللي يخلعني .. سواد القلوب

حيت لغدر فيها ، محال يتوب

قلب كحل من لداخل ، و ما صاب عيوب

عايش فالضلمة ، و كيغطي لذنوب

سواد الليل ، يتبعه نور الفجر

يبان يضوي لمدينة ، و تزهى بيه لغصان

تشرق شميسة ، و تفرح كل عين و اللسان

و تغرد لطيور ، و تنسينا فلي كان

و لكن سواد القلوب .. فجرو فين غيطل

محبوس فالحقد ، و عقلو ديما حاصل

لا سماحة لا رحمة ، واها تعطيه العدل

كيزرع الشوك ، و يحصد غير الخل

يا ربي صفي القلوب ، واجعلها بيضا حليب

ما فيها غل ، لا حقد .. و لا عيب

قريب خلي الود فينا ، و الكلمة ديما نصيب

باش يضوي نهارنا ، و نعيشو في حب عجيب

محمد شيوي

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.