لم يعد حضور المنتخب الوطني المغربي لكرة القدم في نهائيات كأس العالم حدثاً استثنائياً أو مفاجأة كروية عابرة، بل أصبح مؤشراً على تحول استراتيجي تعرفه كرة القدم المغربية منذ سنوات، يقوم على التخطيط طويل المدى والاستثمار في التكوين والاحتراف وتطوير البنيات الرياضية. وإذا كان مونديال قطر 2022 قد منح المغرب مكانة تاريخية باعتباره أول منتخب إفريقي وعربي يبلغ نصف النهائي، فإن مونديال الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك 2026 أكد أن ذلك الإنجاز لم يكن وليد الصدفة، وإنما نتيجة مشروع رياضي متكامل استطاع أن يحافظ على تنافسيته بين كبار منتخبات العالم.
وقد أثارت مشاركة المنتخب المغربي في هذه النسخة نقاشاً إعلامياً واسعاً، اختلفت فيه زوايا التناول بين الصحافة المغربية التي غلب عليها البعد الوطني، والصحافة الأوروبية التي اعتمدت مقاربة تقنية قائمة على التحليل التكتيكي والإحصائي.
أولاً: الخطاب الإعلامي المغربي من الإنجاز إلى الدفاع عن المشروع
ركزت الصحافة المغربية، سواء المتخصصة أو العامة، على أن بلوغ الدور ربع النهائي للمرة الثانية توالياً يمثل نجاحاً استراتيجياً لكرة القدم الوطنية. واعتبرت أن المنتخب أصبح نموذجاً قارياً في الاستقرار التقني، وأن الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم نجحت في بناء منظومة احترافية تعتمد التخطيط العلمي واستمرارية المشروع، بعيداً عن منطق النتائج الظرفية.
كما أبرزت التغطيات الصحفية الروح القتالية للاعبين، والانضباط التكتيكي، والقدرة على إدارة المباريات الكبرى، مع الإشادة بالدور القيادي للطاقم التقني في المحافظة على هوية المنتخب وتوازنه الدفاعي. ولم تتعامل الصحافة المغربية مع الإقصاء أمام فرنسا بوصفه إخفاقاً، بل باعتباره نهاية مشرفة لمسار أكد استمرار المغرب ضمن النخبة العالمية.
ثانياً: الرؤية الأوروبية… احترام متزايد ونقد تقني
في المقابل، قدمت الصحافة الأوروبية قراءة مختلفة اتسمت بقدر أكبر من التحليل الفني. فقد اعتبرت أن المغرب لم يعد منتخب المفاجآت، وإنما أصبح منافساً دائماً للمنتخبات الكبرى، بفضل استقراره التكتيكي وجودة عناصره البشرية.
وأشادت الصحف الأوروبية بقوة المنظومة الدفاعية المغربية، والتنظيم الجماعي، والانضباط التكتيكي، والقدرة على إغلاق المساحات أمام المنافسين. كما اعتبرت أن الحارس ياسين بونو كان من أبرز نجوم البطولة، بينما واصل عدد من اللاعبين تأكيد حضورهم ضمن المستوى العالمي، مثال : حكيمي والصيباري والمزراوي ودياز واوناحي .
غير أن هذه الإشادة لم تمنع وسائل الإعلام الأوروبية من تسجيل بعض الملاحظات النقدية، خاصة فيما يتعلق بضعف الفعالية الهجومية، وصعوبة المحافظة على الضغط العالي أمام المنتخبات الكبرى،مثل ماوقع مع فرنسا ، إضافة إلى محدودية صناعة الفرص في الثلث الأخير من الملعب. ورأت أن المنتخب المغربي ما زال بحاجة إلى تطوير أسلوبه الهجومي إذا أراد الانتقال من منافس قوي إلى مرشح حقيقي للفوز باللقب.
ثالثاً: قراءة تقنية في الأداء الرياضي
من الناحية التكتيكية، حافظ المنتخب المغربي على هويته التي تميز بها منذ مونديال قطر، والقائمة على التنظيم الدفاعي الصلب، والانتقال السريع، والانضباط الجماعي، مع الاعتماد على التحولات الهجومية واستغلال المساحات.
وأثبت خط الدفاع قدرة كبيرة على التعامل مع المنتخبات ذات الجودة العالية، نموذج مع وقع في مقابلاتين ضد منتخب البرازيل وضد هولندا في حين شكل بونو عنصر اطمئنان داخل المنظومة الدفاعية.وبرع في التصدي لضربات الجزاء كما أظهر خط الوسط قدرة واضحة على افتكاك الكرة والحد من خطورة المنافسين بقيادة اوعدي والعيناوي والخنوس والمرابط
غير أن الأداء الهجومي ظل أقل تطوراً مقارنة بالجانب الدفاعي، إذ عانى المنتخب في بعض المباريات من بطء بناء الهجمات، وضعف الكثافة العددية داخل منطقة الجزاء، والاعتماد الكبير على المهارات الفردية أكثر من الحلول الجماعية، وهو ما انعكس على معدل التسجيل أمام منتخب فرنسا في دور الثمن
والجديد بالتنويم هو الانسجام السريع الذي خلقه المدرب الوطني وهبي مع اللاعبين الدوليين في وقت وجيز تولى فيه قيادة المنتخب وتمكن بأسلوبه البيداغوجي من توصيل أفكاره إلى المجموعة التي كان حل لا عبيها من ركائز التشكيلة المشاركة في قطر 2022
رابعاً: بين العاطفة الوطنية والموضوعية المهنية
تكشف المقارنة بين الإعلام المغربي والأوروبي عن اختلاف في المرجعية المهنية أكثر مما تعكس اختلافاً في تقييم المستوى.
فالصحافة المغربية تنظر إلى المنتخب باعتباره مشروعاً وطنياً يحمل أبعاداً رمزية تتجاوز كرة القدم، لذلك تميل إلى إبراز الجوانب الإيجابية والإنجازات التاريخية، بينما تعتمد الصحافة الأوروبية على معايير الأداء الفني والإحصائي، فتشيد بما تحقق دون أن تتردد في إبراز مواطن القصور.
ورغم هذا الاختلاف، يلتقي الخطابان عند حقيقة واحدة، وهي أن المغرب أصبح رقماً ثابتاً في كرة القدم العالمية، وأن المنتخبات الكبرى لم تعد تنظر إليه باعتباره منافساً عادياً، بل خصماً يمتلك شخصية تكتيكية واضحة وقادراً على إقصاء أقوى المدارس الكروية.
خامساً: الدروس المستفادة وآفاق المستقبل
أكدت المشاركة المغربية أن الاستقرار التقني يعد أحد أهم عوامل النجاح، غير أن المرحلة المقبلة تتطلب تطويراً أكبر في الشق الهجومي، والاستثمار في صناعة اللاعبين القادرين على صناعة الفارق داخل منطقة الجزاء، مع توسيع قاعدة التكوين وتعزيز البحث العلمي الرياضي وتحليل البيانات والذكاء الاصطناعي في إعداد المنتخبات الوطنية.
كما أن المحافظة على هذا المستوى تستوجب استمرار التنسيق بين الجامعة الملكية والأندية الوطنية ومراكز التكوين، حتى يتحول الإنجاز إلى ثقافة رياضية مستدامة، وليس مجرد نتائج مرتبطة بجيل معين من اللاعبين.
سادسا : المرتبة السادسة في التصنيف العالمي
ولعل أبرز مكاسب
المشاركة المغربية في نهائيات كأس العالم FIFA 2026 لم تكن مقتصرة على الأداء الميداني أو بلوغ الدور ربع النهائي، بل تجسدت أيضاً في الارتقاء التاريخي للمنتخب الوطني إلى المركز الخامس في التصنيف العالمي للاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA)، وهو أعلى تصنيف يبلغه منتخب إفريقي وعربي في تاريخ اللعبة.
ويحمل هذا التصنيف دلالات استراتيجية تتجاوز قيمته الرقمية، إذ يمنح المنتخب المغربي مكانة أكبر في القرعات الدولية، ويكرس صورته كقوة كروية صاعدة تحظى باحترام المنافسين ووسائل الإعلام العالمية. كما يرفع سقف الطموحات قبل الاستحقاقات المقبلة، وفي مقدمتها كأس الأمم الإفريقية، ثم كأس العالم 2030 التي سيستضيفها المغرب بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال.
●وعلى سبيل الختم
لم يكن خروج المنتخب المغربي من ربع نهائي كأس العالم 2026 نهاية لحلم، بل محطة جديدة في مسار تصاعدي يؤكد أن كرة القدم المغربية أصبحت جزءاً من النخبة العالمية. وإذا كان الإعلام المغربي قد احتفى باستمرار الإنجاز، فإن الإعلام الأوروبي منح المنتخب شهادة اعتراف مستحقة، عنوانها أن المغرب لم يعد منتخب المفاجآت، بل منتخب المشاريع الكبرى.
وبين الاحتفاء الوطني والتقييم الأوروبي الموضوعي، تتشكل صورة جديدة لكرة القدم المغربية: منتخب يمتلك هوية تكتيكية راسخة، ومشروعاً رياضياً واضح المعالم، لكنه مطالب في المرحلة المقبلة بالانتقال من ثقافة المنافسة إلى ثقافة الفوز والتتويج. فالعالم لم يعد ينتظر من المغرب مجرد مشاركة مشرّفة، بل أصبح ينتظر منه أن ينافس على كأس العالم.
سلا في 13\7\2026

















