هل انطفأ دفء “اللمة العائلية المغربية”؟ حين تحولت الهواتف الذكية إلى شريك ثالث في بيوتنا

هل انطفأ دفء “اللمة العائلية المغربية”؟ حين تحولت الهواتف الذكية إلى شريك ثالث في بيوتنا
العربية.ما / محمد شيوي

 “اللمة العائلية المغربية” .. حين تحولت الهواتف الذكية إلى شريك ثالث في بيوتنا
كانت “اللمة العائلية المغربية” في مغرب الأمس مقدسة، طقسا يوميا لا يقبل التأجيل أو الاعتذار. يكفي أن يرتفع صوت الأذان، أو يوضع “براد أتاي” وصحن الحلوى وسط الغرفة، لتجتمع العائلة بأكملها حول المائدة. في ذلك الوقت، لم يكن للأفلام أو المسلسلات سلطة تفوق سلطة حديث الجد والجدة، ولم يكن هناك ما يقطع حبل النقاش المسترسل سوى ضحكات الأطفال وصوت ارتشاف الشاي. كان الدفء الأسري حقيقة ملموسة، وصلة الرحم واجبا أسبوعيا يقطع من أجله أفراد العائلة مسافات طويلة للالتقاء في “البيت الكبير”.
أما اليوم، فتحول المشهد بشكل صادم. في مغرب اليوم، تجتمع العائلة جسديا في غرفة واحدة، لكن عقول أفرادها مشتتة في عوالم افتراضية لا نهائية. تجلس الأم والآب والأبناء معا، لكن الصمت سيد الموقف، لا يقطعه سوى رنين الإشعارات وصوت نقرات الأصابع على الشاشات الزجاجية. تحول الهاتف الذكي من أداة للتواصل إلى جدار عازل يفصل بين أفراد البيت الواحد، وأصبحت مائدة الطعام مجرد محطة سريعة يتناول فيها كل فرد وجبته وعيناه شاخصتان في شاشة هاتفه، ليغادر بعدها سريعا إلى غرفته مستكملا عزلته الاختيارية.
هذا التحول العميق يطرح سؤالا ملحا يثير الكثير من القلق والجدل في الأوساط الاجتماعية المغربية: هل قضت التكنولوجيا والهواتف الذكية فعليا على صلة الرحم والتجمعات العائلية التقليدية؟ أم أن المشكلة لا تكمن في التكنولوجيا نفسها، بل في طريقة استهلاكنا لها وغياب الوعي بحدودها؟
يرى البعض أن التكنولوجيا بريئة من دم هذا الجفاء الأسري، بل على العكس، فقد ساهمت في تقريب المسافات. فبفضل تطبيقات المحادثات ومكالمات الفيديو، تمكنت العائلات المغربية من الحفاظ على خيط التواصل مع أبنائها المهاجرين في ديار الغربة، وصارت مجموعات “الواتساب” العائلية فضاء يوميا لتبادل التحايا والاطمئنان على الأحوال. بالنسبة لهؤلاء، التكنولوجيا وسيلة حديثة لصلة الرحم تتناسب مع إيقاع الحياة العصرية السريع وضغوط العمل اليومية التي لم تعد تسمح بالزيارات المتكررة.
في المقابل، يدق خبراء علم الاجتماع ناقوس الخطر، مؤكدين أن التواصل الرقمي هو مجرد “تواصل وهمي” خاو من المشاعر والدفء الإنساني. فالرموز التعبيرية والرسائل النصية الجاهزة لا يمكنها أبدا أن تعوض دفء العناق، أو لغة الجسد، أو متعة الإنصات المتبادل. لقد تحولت صلة الرحم في نظر الجيل الحالي من سلوك اجتماعي وإنساني نبيل إلى مجرد “واجب رقمي” يتم إسقاطه بنقرة زر أو إرسال صورة جماعية في الأعياد والمناسبات.
إن هذا التراجع المخيف في منسوب الدفء الأسري داخل البيت المغربي يستوجب وقفة تأمل حقيقية. إن الحنين إلى مغرب الأمس ليس مجرد بكاء على الأطلال، بل هو رغبة في استعادة الأمان النفسي والروابط المتينة التي شكلت دائما درعا للمجتمع المغربي في مواجهة الأزمات.
التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في إعلان الحرب على الهواتف الذكية أو مقاطعة التكنولوجيا، بل في إيجاد صيغة متوازنة تحمي “اللمة العائلية المغربية” من الانقراض. يحتاج المجتمع اليوم إلى شجاعة أسرية لفرض “مناطق خالية من الشاشات” داخل البيوت، وإعادة إحياء طقوس الحوار العائلي، فالشاشات يمكنها أن تنتظر، لكن قطار العمر ودفء اللحظات العائلية الصادقة إذا مر، لا يعود أبدا.
Exit mobile version