في إقليم طاطا، حيث تختزن الأرض ذاكرةً عميقة الجذور، وتتناثر الشواهد الحضارية بين واحاتٍ ونقوشٍ صخرية تروي تاريخ الإنسان والمكان، يطفو سؤال ملحّ: أين هي الثقافة؟ وأين مؤسساتها؟
واقع الحال يكشف مفارقة لافتة؛ فبالرغم من وجود تمثيلية لقطاع الشباب والتواصل، لا تتوفر طاطا على مديرية إقليمية مستقلة للثقافة، إذ لا تزال تابعة إداريًا لإقليم تارودانت. وضع يكرّس تبعية غير مبررة، ويعكس تهميشًا واضحًا لقطاع يُفترض أن يشكل رافعة أساسية للتنمية المحلية.
الأمر لا يقف عند حدود الغياب الإداري، بل يمتد إلى خصاص حاد في الموارد البشرية، حيث يكاد ينعدم وجود موظفي وزارة الثقافة داخل الإقليم. ويظل الاستثناء الوحيد موظفًا جماعيًا مكلفًا بتسيير دار الثقافة، في وضع غير مستقر ينعكس سلبًا على استمرارية المرفق الثقافي.
غير أن الإشكال يتجاوز ضعف الإمكانيات، ليطرح تساؤلات حول نجاعة التسيير ذاته، في ظل تسجيل غياب المسؤول المكلف عن عدد كبير من الاجتماعات الرسمية التي تنظمها عمالة الإقليم، إلى جانب عدم حضوره في عدة أنشطة ثقافية محلية. معطيات تعزز الانطباع بوجود فراغ في القيادة الثقافية، وغياب رؤية واضحة لتدبير هذا القطاع الحيوي.
دار الثقافة بطاطا، التي يفترض أن تكون فضاءً نابضًا بالحياة، تشتغل بإمكانيات محدودة؛ ثلاثة موظفين في إطار “تسهيل الولوج” تابعين للإنعاش الوطني، وثلاثة عناصر من الأمن الخاص، إلى جانب مستخدم واحد في مجال الأمازيغية ضمن مشروع خاص. تركيبة بشرية هشة، لا تسمح ببناء برنامج ثقافي مستدام أو مواكبة انتظارات الساكنة.
هذا الوضع ينعكس بشكل مباشر على المشهد الثقافي المحلي، حيث تغيب الأنشطة المنتظمة، وتنعدم البرمجة الواضحة، في مقابل إقصاء شبه تام للجمعيات الثقافية، التي تجد نفسها خارج دائرة الفعل والتأثير. المبادرات القائمة تظل محدودة ومعزولة، ولا ترقى إلى مستوى غنى الإقليم وتاريخه.
وقد زاد من حدة هذا الإحساس بالتهميش قرار إلغاء معرض كان مبرمجًا بطاطا بداية شهر أبريل، قبل نقله بشكل مفاجئ إلى أولاد تايمة، في خطوة أثارت استياء واسعًا في صفوف الفاعلين المحليين، واعتُبرت مؤشرًا إضافيًا على ضعف تمثيلية الإقليم في الأجندة الثقافية الجهوية.
أما دار الثقافة، التي شُيّدت سنة 1991، فلم تعرف أي تحديث يُذكر منذ ذلك الحين. بناية ظلت خارج الزمن، بمرافق محدودة وتجهيزات متواضعة، بل وحتى بدون يافطة واضحة تدل عليها، في مشهد يعكس حجم الإهمال الذي يطال هذا الفضاء.
الأخطر من ذلك، غياب تصور ثقافي يُثمن مؤهلات الإقليم، حيث لا تتوفر المؤسسة على فضاء يُعنى بالتعريف بتاريخ طاطا وموروثها الغني، من “إكودار” العريقة إلى النقوش الصخرية والمغارات والشلالات، وهي عناصر تشكل رصيدًا ثقافيًا وسياحيًا مهمًا ظل خارج دائرة الاستثمار.


















