من يريد زعزعة الثقة في المؤسسات؟ بين تسريبات الجبروت ورهانات الدولة ،المغرب أكبر من الإصطياد في الماء العكر

1 مايو 2026
زعزعة الثقة في المؤسسات
العربية.ما-الدكتور جمال العزيز

في زمن تتقاطع فيه السياسة مع التكنولوجيا، انتقلت المعارك إلى فضاءات رقمية مفتوحة، تتحول فيها المعلومة (صحيحة كانت أو مجتزأة أو مضللة) إلى أداة لإعادة تشكيل الوعي الجماعي. وفي خضم هذا التحول، تبرز محاولات ممنهجة إلى زعزعة الثقة في المؤسسات، عبر تسريبات توظف خارج سياقها أو عبر تضخيم أحداث معزولة لإنتاج صورة قاتمة عن الدولة ورجالاتها.

غير أن قراءة متبصرة لهذا المشهد تظهر أن المغرب، بتاريخه العريق ومؤسساته أكبر من أن تهزه موجات الزبد؛لكونه دولة بنيت على تراكمات من الإصلاحات وعلى رؤية استراتيجية يقودها جلالة الملك محمد السادس، تقوم على التوازن بين الإستقرار والإنفتاح بين الإصلاح والحفاظ على الثوابت.

إن ما يسمى اليوم ”تسريبات جبروت” لا يمكن فصله عن سياق عالمي يتسم بحروب سيبرانية ناعمة، تستخدم فيها البيانات والإشاعة كسلاح لتقويض الثقة. وهي حروب لا تميز بين الفاعل الداخلي والخارجي، ما يجعل من حماية المعلومة والسيادة الرقمية مسألة أمن وطني بامتياز.

ومن هنا، تبرز الحاجة إلى مقاربة مبتكرة لحماية المعطيات ومواكبة التطور الرقمي، تقوم على الإنتقال من منطق الحماية التقليدية إلى منطق ”الأمن الرقمي الإستباقي”، عبر بناء منظومات قادرة على رصد الأخبار الزائفة وتحليل أنماط انتشارها في الزمن الحقيقي، مع تمكين المؤسسات من آليات تواصل فوري وشفاف يقطع الطريق أمام التأويلات المغرضة؛ وإرساء سيادة رقمية وطنية، من خلال تطوير بنية تحتية للبيانات تستند إلى مراكز تخزين وطنية مؤمنة، وتشجيع حلول برمجية مغربية، بما يقلص من التبعية التكنولوجية ويعزز التحكم في المعطيات الحساسة.

وكذلك، سن إطار قانوني متطور يواكب جرائم العصر الرقمي، لحماية الفضاء العام من ”كسر العظام الإفتراضي” الذي يستهدف الأفراد والمؤسسات على حد سواء. إطار يوازن بين حرية التعبير والمسؤولية، ويضع حدودا واضحة بين النقد المشروع والتشهير الممنهج.

إن الإستثمار في الرأسمال البشري، عبر تكوين جيل جديد من الكفاءات القادرة على فهم تعقيدات الفضاء السيبراني، وإدارة الأزمات الرقمية باحترافية عالية، داخل المؤسسات العمومية والأحزاب السياسية ووسائل الإعلام، أصبح ورشا استراتيجيا يجب الإنخراط فيه لحماية المعطيات وربح معركة الثقة المستدامة.

وهنا تبرز أهمية الجيل الجديد من البرامج الترابية المندمجة، كرافعة استراتيجية تنموية لتقوية العلاقة بين المواطن والمؤسسات.

إن المرحلة المقبلة، ونحن على أبواب استحقاقات تشريعية فارقة، تفرض أيضا الإعداد لجيل جديد من السياسيين، يمتلك أدوات الفهم الرقمي، ويؤمن بثقافة المعطيات، ويستوعب أن المعركة الحقيقية تتمثل في كسب ثقة المواطنين ومن خلالهم الثقة في المؤسسات.

سياسيون قادرون على التواصل المسؤول، و التفاعل الذكي مع محيطهم وعلى تحويل التحديات إلى فرص.

إن المغرب الصاعد ، وهو يواجه رهانات داخلية وخارجية معقدة، يحتاج إلى خطاب مسؤول يعزز الثقة، ويحصن المكتسبات، ويفتح آفاق المستقبل.

سيبقى المغرب دولة صلبة تعرف طريقها جيدا، رهانها الحقيقي، أن نستمر جميعا (مؤسسات ونخبا ومجتمع ) في بناء مغرب الثقة و التنمية الترابية المندمجة، كخيار استراتيجي لا رجعة فيه.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.