طاطا: مديرية الاشباح.. شباب طاطا ضحية الفراغ الإداري

1 أبريل 2026
طاطا
العربية.ما-الرباط

في قلب إقليم طاطا، حيث يُفترض أن تشكل مؤسسات الشباب رافعة أساسية للتأطير والتكوين وصقل المواهب، تبرز دار الشباب بطاطا كنموذج مثير للقلق، يعكس واقعًا تدبيريًا مرتبكًا، تغيب فيه المسؤولية الواضحة، ويطغى عليه الارتجال بدل التخطيط.

منذ ما يقارب ثلاثة أشهر، تعيش المديرية الإقليمية للشباب والثقافة والتواصل على وقع غياب مديرها الإقليمي، في ظروف توصف بحسب مصادر متطابقة بغير المقنعة. بين شواهد طبية، وذرائع عائلية، وسفر خارج الإقليم، تتضارب التبريرات، بينما الثابت الوحيد هو غياب المخاطب الرسمي، ما خلق فراغا إداريا أثر بشكل مباشر على السير العادي للمرفق العمومي.

هذا الغياب لم ينعكس فقط على مستوى اتخاذ القرار، بل امتد ليطال أبسط مظاهر التنظيم، حيث أصبح المرتفق، منذ ولوجه المديرية، يصطدم بواقع غير مألوف: مكتب الضبط، الذي يفترض أن يكون واجهة إدارية منظمة، أُنيطت مهامه لحارس أمن خاص، في مشهد يلخص حجم الاختلال.

داخل دار الشباب، تتداخل الأدوار بشكل يثير الاستغراب. فحارس الأمن لم يعد مجرد عنصر للحراسة، بل تحول بحكم الأمر الواقع إلى “مدير متعدد المهام”، يجمع بين التنسيق التربوي، والإشراف الإداري، وحتى مهام النظافة، في ظل غياب أطر متخصصة أو توزيع واضح للمسؤوليات.

هذا الوضع، وإن كان يعكس نوعا من التضحية الفردية، إلا أنه يطرح إشكالا عميقا مرتبطا بالحكامة، حيث لا يمكن لمؤسسة تربوية أن تقوم بوظائفها الأساسية في غياب هيكلة واضحة وكفاءات مؤهلة.

المفارقة الكبرى أن دار الشباب تتوفر على تجهيزات مهمة، من آلات موسيقية، ومعدات تصوير، ومكبرات صوت، غير أنها تظل بحسب المعطيات حبيسة المديرية الإقليمية، دون أن ترى طريقها إلى المستفيدين. وضع يطرح أكثر من علامة استفهام حول جدوى الاستثمار في تجهيزات لا تُستثمر.

على مستوى البنية التحتية، تتعدد مظاهر الخلل. فربط دار الشباب وروض الأطفال بعداد كهربائي واحد أدى، في أكثر من مناسبة، إلى انقطاعات متكررة للتيار أثناء الأنشطة المشتركة. بل إن مصادر حضرت أحد الأنشطة أكدت وقوع تماس كهربائي كاد أن يتسبب في كارثة، لولا تدخل الألطاف الإلهية.

كما أن خشبة المسرح تفتقر إلى نظام إنارة احترافي، وحتى في الحالات التي تتوفر فيها الإنارة، لا يمكن التحكم فيها من الكواليس، ما يحد من جودة العروض ويقوض العمل التربوي والفني.

أما الممر المخصص لذوي الاحتياجات الخاصة، فبدل أن يكون تجسيدا لسياسة الإدماج، تحول إلى عائق هندسي، يصعب استخدامه حتى من طرف الأشخاص الأصحاء، في مفارقة تعكس غياب معايير الولوجيات.

يزداد المشهد تعقيدا عند مقارنة وضع دار الشباب بطاطا بنظيرتها في جماعة أقا، التي استفادت من عدة مشاريع، من بينها مشروع “كان يا مكان”، بغلاف مالي مهم قُدر بحوالي 22 مليون سنتيم، إلى جانب مبادرات أخرى.

في المقابل، لم تستفد دار الشباب بطاطا وفق المعطيات المتوفرة من أي مشروع مماثل، ما يطرح تساؤلات مشروعة:

هل يتعلق الأمر بسوء تدبير محلي؟ أم بغياب الترافع؟ أم أن غياب المسؤولين ساهم في تغييب هذه المؤسسة عن خارطة البرامج الوطنية؟

إن ما تعيشه دار الشباب بطاطا ليس مجرد اختلالات معزولة، بل مؤشر على حاجة ملحة لإعادة النظر في منظومة التدبير، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتفعيل آليات المراقبة والتتبع.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.