أعتقد أن ما وقع بخصوص هجرة بعض المغاربة إلى مليلية وإلى سبتة بالأخص، بتلك الطريقة المفاجئة وبتلك السهولة المثمتلة في فتح المعابر والحدود البرية والبحرية على مصرعيها أمام الجميع، لم يكن شيئا عاديا فالأمر يتطلب التفكير والإحاطة بالإشكالية من جميع الجوانب وطرح عدة تساؤلات وعدة فرضيات للوصول إلى الحقيقة وربط المسؤولية بالمحاسبة بالنسبة للدولتين؟!.
أولا: لا يعقل في زمن الاقمار الاصطناعية والرقمنة والذكاء الاصطناعي والمخابرات البشرية المتطورة لدى الجانبين، الذين يتعاونوا في القضاء على الجريمة المنظمة وقضايا الارهاب والتهريب، أن نصدق ما وقع بسهولة ونعتبر الأمر عاديا ونستصغره بهذه السهولة أونتجاوزه، لانه في اعتقادي مأساة إنسانية كبيرة نتيجة خيانة مدبرة.
فهجرة حوالي 48 ألف مغربي، أطفالا ونساء ورجالا، في ظرف يوم واحد شيء مهول وسابقة خطيرة في الهجرة، وارتفاع العدد في اليوم الثاني إلى ما يقارب 60 ألف مهاجر مغربي وموت حوالي 67 مواطنا في ظروف غامضة بين البحر والبر…!
ثانيا: ما وقع هو، في اعتقادي، مسالة خيانة مشتركة داخلية في إسبانيا، وإن لم أقل مؤامرة وقعت في دولة إسبانيا، كدولة متقدمة كبيرة تحت نظام ملكي، وسلطات برلمانية وتنفيذية وقضائية كدولة قوية اقتصاديا وسياسيا وعسكريا…
ونفس الشيء يمكن قوله على المغرب، هناك خيانة ونوعا من اللامبالاة وعدم احترام المسؤولية التي تتحملها أطراف عديدة داخل الوطن وخارجه ويتحملها أيضا المهاجرون.. فالمملكة المغربية دولة ملكية ذات سيادة ومؤسسات تنفيذية وقضائية وتشريعية، كحكومة
لايمكنها التساهل في مثل هذه الأمور ولابد من البحث عن الأطراف المسؤولة عن هذا الانفلات بهذا الشكل المأساوي، الذي استغله بعض المواطنين المغاربة، الذين أغلبهم يعاني من الهشاشة الاجتماعية والبطالة، هم ضحايا سوء تقديرهم وتهورهم من جهة وضحاها ثقافة القطيع وضحايا الوضعية الاجتماعية والاقتصادية، من جهة أخرى، أغلبهم شبابا ويشكلون نسبة من معدل البطالة الذي وصل إلى 13%في المغرب كما جاء في تقرير بنك المغرب 2025. وفي خضم تتبعي للأزمة، عبر وسائل الإعلام العربية، انتبهت الى سؤال طرحه أحد المواطنين حيث قال في إحدى القنوات: “حين فتحت الحدود والمعابر لماذا لم يعبر الإسباني في هجرة معاكسة للمغرب في ذلك الوقت؟ـ
ثالثا: على مستوى التفاعل مع الرأى العام حول هذه المأساة الإنسانية. أعتقد أن بعض المؤسسات الإسبانية لجأت إلى وسائل الإعلام ونجحت، إلى حد ما، في التعبير إعلاميا عن رفضها التام لما وقع، من بينها رئيس الحكومة المحلية بسبتة الذي حمل المسؤولية للحكومة المغربية، وكذلك رئيس الوزراء الإسباني الذي اعتبر المسألة انتهاك لسيادة التراب الإسباني وحمل المسؤولية لتجار البشر ولحملات رقمية روجت لحكم إحدى المحاكم حول الهجرة. ولا نعرف لحد الساعة موقف البرلمان الإسباني. وعلى مستوى الحكومة وباقي المؤسسات المغربية لازلنا ننتظر توضيحات لتنوير الرأي العام المغربي حول تداعيات ما وقع…
ولكن هل تكفي التصريحات الإعلامية أم أن الأمر يتطلب البحث عن الأسباب التي دفعت في الجهة الإسبانية إلى فتح معبر سبتة بهذه السهولة أمام المغاربة؟
رابعا: الخيانة انطلقت من إسبانيا، في اعتقادي، إن المؤامرة بدأت من هناك، وقد تكون مدعمة من جهات أجنبية، ربما أوروبية أوأمريكية أوصهيونية لاسقاط حكومة شانزيش، بدليل أن المؤامرة بدأت بفتح الحدود بسهولة أمام المغاربة للهجرة وبالتالي أصبحت هجرة إلى حد ما مشروعة بالنسبة للمغاربة لأن السلطات الإسبانية المسؤولة عن الحدود والمعبر فتحت الباب على مصراعيه أمام المغاربة ودخلوا الي سبتة بسهولة دون عناء أومقاومة آمنين واعتبروا أنفسهم أنهم في بلدهم أوفي رحلة للبحث عن عمل في مدينة قريبة منهم..
خامسا: تداعيات اقتصادية وسياسية، حيث أن انعكاسات هذا الأمر أدت إلى إغلاق الحدود بين إسبانيا والدول الأوروبية المجاورة، وتعليق العمل باتفاقية شينجن عقابا لإسبانيا وإغلاق الحدود الجوية والبرية وتدخل الاتحاد الأوروبي لاحتواء الأزمة سياسيا..
سادسا: مسؤولية الحكومة المغربية، نفس الاسئلة تطرح بخصوص الوضعية في الجانب المغربي لاحظ الجميع في البداية غياب آليات الردع والصد والأبعاد بشكل صارم على تحركات أفواج المهاجرين مما جعلهم يعتقدون أن المسألة عادية وترسخت في أذهانهم تمثلات من قبيل سافر وارحل وادخل إلى سبتة ستجد هناك العمل والجنة !!!!
سابعا: هل المسؤولية مشتركة؟ اعتقد أن المسؤولية مشتركة بين الدولتين تتلوها مسؤولية المواطنين المغاربة المهاجرين الذين فقدوا حس المسؤولية والمواطنة وتصرفوا بتهور.. وتم إغراء بعضهم من طرف شبكات التهريب وشبكات الاتجار في البشر بعدة وسائل منها الانترنيت.
ثامنا: الآفاق المستقبلية للعلاقة بين المغرب وإسبانيا، ففي اعتقادي بعد الرجوع القهري للمهاجرين المغاربة واستقرار الوضع حاليا في سبتة فإن المسألة تتطلب تحقيقا معمقا من الدولتين المغربية والاسبانية لمعرفة الأسباب الحقيقية ومحاسبة المسؤولين عن هذا الوضع. وكذلك لحسن استمرارية العلاقات الإسبانية المغربية يتطلب الأمر إحداث لجنة مشتركة إسبانية مغربية تحث اشراف الاتحاد الأوروبي لفتح تحقيق دولي لمعرفة الأسباب والخروج بنتائج وقرارات وتوصيات في الموضوع لأن ما وقع تتحمل فيه الحكومتان الإسبانية والمغربية المسؤولية.
بقلم : محمد الغياط باحث إعلامي الرباط في1\8\2026

















