مراكش.. صرخة في وجه غلاء السومة الكرائية
وراء الأسوار الحمراء لمدينة مراكش، وتحت ظلال نخيلها الذي يسر الناظرين، تختبئ معاناة صامتة تعتصر قلوب الكثير من الأسر والشباب. مدينة البهجة، التي تفتح ذراعيها لملايين السياح من كل بقاع الأرض، يبدو أنها بدأت تغلق أبوابها في وجه أبنائها وصناع بهجتها. اليوم، لم يعد الحديث في مجالس المراكشيين يقتصر على حرارة الصيف أو جمال المعالم، بل أصبح الهم الأكبر الذي يثقل الكواهل هو: كيف ندفع السومة الكرائية نهاية الشهر؟
في الأوساط الشعبية للمدينة الحمراء مراكش، يعيش المواطن البسيط، وخاصة العامل في القطاع الخاص، مفارقة قاسية تضعه بين فكي كماشة لا ترحم. فمن جهة، تقف الأجور متصلبة كالصخر، لم تبرح مكانها منذ سنوات، لا تعترف بمتغيرات الزمن ولا بمتطلبات الحياة المتزايدة. ومن جهة أخرى، تجتاح الأسواق موجة تضخم غير مسبوقة طالت كل شيء؛ من رغيف الخبز إلى فاتورة الكهرباء.
وسط هذا الخناق المادي، يبرز “كراء السكن” كوحش يبتلع أكثر من نصف الدخل الشهري للأسرة. لقد تحول البحث عن شقة متواضعة تأوي عائلة صغيرة في مراكش إلى كابوس حقيقي، حيث قفزت الأسعار إلى مستويات خيالية لا تتناسب إطلاقا مع القدرة الشرائية للمواطن العادي.
بمعنى: “أن تعمل طوال الشهر، وتقتطع من راحتك وصحتك، لتجد أن راتبك لا يكفي حتى لتغطية سقف يحميك وعائلتك، هو أقسى درجات الشعور بالهشاشة في وطنك.”
لم يكن ارتفاع أسعار الكراء في مراكش وليد الصدفة، بل هو نتيجة لتراكمات وعوامل حولت السكن من حق أساسي إلى سلعة تخضع لمضاربات شرسة، ومن أبرز هذه العوامل:
زحف الإيجار السياحي (اليومي): تحول الكثير من الملاك إلى تأجير شققهم للسياح عبر التطبيقات الذكية بحثا عن الربح السريع والمضاعف، مما قلص العرض المخصص للإيجار طويل الأمد ودفع بأسعاره إلى السماء.
جشع بعض المضاربين: استغلال حاجة الناس الماسة للسكن لفرض زيادات عشوائية وغير مبررة، بعيدا عن أي معيار أخلاقي أو قانوني.
تغييب البعد الاجتماعي: التعامل مع العقار كمنجم للذهب فقط، دون مراعاة الظروف الاجتماعية والاقتصادية للمكترين، وخاصة الطبقة العاملة.
هنا يطرح السؤال الجوهري والمشروع نفسه بإلحاح: من المسؤول عن تقنين السومة الكرائية وحماية المكتري؟
إن ترك سوق العقار لـ “قانون الغاب” بحجة العرض والطلب هو تخل واضح عن المسؤولية الاجتماعية. المسؤولية هنا مشتركة وتتوزع على عدة جهات:
المشرع المغربي: هناك حاجة ماسة لمراجعة وتحديث القوانين المنظمة للعلاقة الكرائية، بحيث يتم وضع سقف أعلى للزيادات، وتحديد السومة الكرائية بناء على معايير واضحة (موقع العقار، مساحته، جودته) وليس بناء على أهواء الملاك.
السلطات المحلية والجماعية: يجب التدخل لضبط فوضى الإيجارات السياحية غير المرخصة التي تلتهم الشقق السكنية في الأحياء الشعبية والمتوسطة، وإعادة التوازن للسوق.
الدولة ومؤسساتها: عبر توفير بدائل سكنية حقيقية، ودعم الطبقة المتوسطة والهشة، وتفعيل لجان المراقبة لحماية المستهلك (المكتري) من الشروط التعسفية التي تفرض في عقود الإذعان.
إن حماية المكتري في ظل تجميد الأجور والتهاب الأسعار ليست منة أو صدقة، بل هي ضرورة لضمان السلم الاجتماعي والاستقرار النفسي للأسر. لا يمكن أن نطالب عاملا في القطاع الخاص بالإنتاجية والولاء لعمله، وهو مهدد في كل لحظة بالطرد للشارع لعجزه عن مجاراة جنون الإيجارات.
مراكش مدينة عظيمة بجمالها، لكن عظمتها الحقيقية تكمن في قدرتها على احتضان أبنائها البسطاء الذين يبنونها ويخدمونها كل يوم. لقد حان الوقت لتدخل حازم يضع حدا لهذا النزيف، ويعيد لسوق الكراء توازنه المفقود، حتى لا يتحول حلم الاستقرار في مدينة البهجة إلى سراب يطارد الفقراء وذوي الدخل المحدود.


















