العربية.ما / محمد شيوي
مجموعة “السهام”: ظاهرة ارتبطت بزمن الفن الملتزم
في زمن التغيرات المتسارعة والسطحية الفنية التي باتت تطبع الكثير من المشاهد الموسيقية المعاصرة، يخرج بين الفينة والأخرى من يطلق أحكاما جاهزة تفتقر إلى عمق القراءة التاريخية والفنية، متوهما أن مجموعة “السهام” الغنائية أضحت مجرد صفحة مطوية في كتاب الماضي، أو ظاهرة ارتبطت بزمن الفن الملتزم ورحلت ورحل معها فنها. غير أن القول بأن السهام أصبحت شيئا من الأمس هو تجن صارخ على ذاكرة غنائية حية، وقراءة قاصرة لمفهوم الأصالة والتجدد؛ فالسهام لم تكن يوما مجرد موجة عابرة أو تجربة فردية محصورة في زمانها، بل هي مدرسة قائمة بذاتها، وفلسفة فنية نبتت من قلب الحي المحمدي بالدار البيضاء—ذلك الشريان الإبداعي الخالد—لتصوغ وجدان أجيال متعاقبة بكلمات زجلية ملتصقة بنبض الشارع، وإيقاعات تمزج بين الروح التراثية والوعي الموسيقي المتجدد.
إن القوة الضاربة لمجموعة السهام تجسدت، منذ انطلاقتها الأولى، في قدرتها على نقل هموم الإنسان المغربي والعربي بأسلوب حكائي زجلي فريد، حيث وضع روادها اللبنات الأساسية لمشروع فني نبيل يعلو فوق الشهرة الزائفة ويتجاوز حدود الزمن. لقد جعل الرواد من الكلمة الرزينة واللحن الشجي رسالة توعوية نقدية تعبر عن واقع المجتمع وقضاياه الوطنية والإنسانية. هذا التأسيس المتين هو ما منح رصيدهم الفني خلوده الخاص؛ فالموسيقى الحقيقية لا تتنفس بعمر أصحابها، بل بالصدق والحقيقة اللذين تحملها كلماتها ونغماتها.
والرد الأبلغ على مقولة الغياب أو الانتماء إلى الماضي لا يكون بالدعايات العابرة، بل بسنة التداول والامتداد الجيلي. إن سر قوة مدرسة السهام يكمن في أنها لم تغلق أبوابها داخل أسوار الذكريات، بل آمنت بأن المشعل يجب أن يسلم من يد الرواد الأوائل إلى أيدي الشباب المبدعين الذين يمتلكون نفس الشغف والوعي. وهنا تتجلى الروح الحقيقية لهذه المدرسة؛ حيث تجد اليوم شبابا متشبعين بفكرها الفني، يمشون على نفس الخطى والمنهج، ويغنون بنفس النبرة الصادقة مع ضخ دماء جديدة وإيقاعات تعبر عن روح عصرهم دون التفريط في جوهر الهوية.
وتعد مجموعة “أفريكا سلم” خير دليل وأسطع مثال على هذا الامتداد والحيوية؛ فهذه التجربة الشبابية المتميزة لم تأتِ من فراغ، بل هي ثمرة طبيعية للتأثر العميق بمدرسة السهام والاستلهام من خطها الغنائي والفكري. إن شباب “أفريكا سلم” يثبتون اليوم أن النفس الغيواني والسهامي ما زال حيا يرزق، وأن التجديد لا يعني الانسلاخ، بل يعني الاستمرارية الواعية التي تجعل الأغنية الملتزمة قادرة على مخاطبة الأجيال الجديدة بنفس الوعي والحرارة.
إن الفرق بين الفرق الموسمية والمجموعات المرجعية كـ “السهام” هو كالفرق بين الفقاعات الزائفة والنخيل الباسق؛ قد تخبو الأضواء الإعلامية أحيانا، وتتغير وسائل الترويج وشروط الإنتاج، لكن الأثر الفني الراسخ لا يزول. تظل السهام رائدة بجهد روادها الذين بصموا الذاكرة الجماعية بمداد من ذهب، ومستمرة بحيوية شبابها الأوفياء الذين يواصلون المسيرة بكل أمانة واقتدار. ومن يعتقد أنها أصبحت من الماضي، فليعد قراءة التاريخ الفني، وليستمع إلى ما يقدمه الخلف الصالح من أمثال “أفريكا سلم”، ليدرك حينها أن السهام لم تكن مجرد مرحلة عابرة في تاريخ الموسيقى المغربية، بل هي نبع متجدد لا ينضب، وشعلة إبداع لا تتوقف عن الإنارة.


















