العربية.ما / محمد شيوي
العائلات المغربية على منصات التواصل
تحول الفضاء الأزرق ومنصات الفيديو في السنوات الأخيرة من مساحة للتواصل الاجتماعي إلى سوق مفتوح للاستثمار في التفاصيل اليومية الأكثر حميمية. ولم تعد الشاشات تقتصر على وجوه صناع المحتوى بمفردهم، بل انضمت عائلات مغربية بأكملها إلى هذا السباق، حيث تحولت البيوت المستورة إلى استوديوهات تصوير مفتوحة على مدار الساعة، وأصبح الأطفال الصغار الأبطال الرئيسيين في مقاطع تحقق ملايين المشاهدات.
هذا التحول الرقمي يطرح علامات استفهام مقلقة حول الحدود الفاصلة بين حرية التعبير وصناعة المحتوى، وبين ما يصفه حقوقيون بـ”تسليع” العائلة وانتهاك حقوق الطفل من أجل تحقيق المكاسب المادية وسوق الأدسنس.
في الماضي، كان للمنزل المغربي حرمة مقدسة، وكانت أسراره وخلافاته وتفاصيله اليومية تبقى حبيسة الجدران. اليوم، تغيرت المعادلة؛ إذ أصبحنا نرى عائلات توثق لحظات الصلح والخلاف، الولادة والوفاة، المرض والشفاء، وحتى تفاصيل الطبخ والتسوق اليومي.
يرى المدافعون عن هذا النوع من المحتوى أنه يقدم صورة واقعية وعفوية عن المجتمع المغربي، ويخلق نوعا من الألفة مع المتابعين، معتبرين أن لجوء هذه العائلات إلى منصات مثل يوتيوب وتيك توك هو خيار اقتصادي مشروع في ظل غلاء المعيشة وصعوبة العثور على فرص شغل تقليدية تضمن دخلا مشابها للأرباح الرقمية.
في المقابل، يصف منتقدون هذا الوضع بـ”التعري الاجتماعي” من أجل الربح السريع. ويرون أن تحويل الحياة الشخصية إلى مادة إعلانية يومية يفقد الأسرة قيمتها التربوية والأخلاقية، ويجعلها خاضعة لشروط “الخوارزميات” التي تكافئ الإثارة والفضائحية على حساب الجودة والقيم.
الجانب الأكثر حساسية وإثارة للجدل في هذه الظاهرة هو إقحام الأطفال في هذا العالم الافتراضي. أطفال في عمر الزهور يجدون أنفسهم أمام الكاميرات، يمثلون مقالب مصطنعة، أو يبكون لجمع تعاطف المشاهدين، أو يستعرضون هدايا وملابس في إعلانات تجارية.
هنا يطرح السؤال القانوني والحقوقي بحدة: أين هي حقوق هؤلاء الأطفال؟
يؤكد خبراء التربية وعلم النفس أن تعريض الأطفال المستمر للأضواء يسليهم من طفولتهم الطبيعية ويضعهم تحت ضغط نفسي هائل لإرضاء الجمهور. كما أن نشر صورهم وتفاصيل حياتهم وساعات دراستهم يهدد سلامتهم الرقمية والجسدية، ويحرمهم من حقهم في الخصوصية، حيث يكبر هؤلاء الأطفال ليجدوا أن كامل طفولتهم موثقة ومتاحة للعموم دون موافقة واعية منهم.
رغم تصاعد صيحات التحذير من طرف جمعيات حماية الطفولة بالمغرب، إلا أن الترسانة القانونية ما زالت تواجه صعوبة في مواكبة هذا التطور التكنولوجي المتسارع. فالقوانين الحالية تجرم استغلال الأطفال، لكن مفهوم “الاستغلال الرقمي من طرف الوالدين” ما زال يعيش في منطقة رمادية يصعب ضبطها، طالما أن الآباء هم الأوصياء القانونيون على أبنائهم ويمتلكون سلطة تصويرهم.
إن ظاهرة تحول العائلات المغربية إلى “سلع رقمية” تضع المجتمع أمام مرآة حقيقية؛ فهل نحن أمام نمط اقتصادي جديد فرضته العولمة الرقمية وتراجع فرص الشغل؟ أم أننا نعيش أزمة قيمية حقيقية تم فيها التضحية بالخصوصية وحقوق الأطفال على عتبة “الأدسنس” و”البوز”؟
يبقى الرهان الأكبر في نهاية المطاف على وعي المشاهد المغربي، الذي يملك بسلوكه الرقمي، وضغطه على زر المتابعة أو المقاطعة، القدرة على توجيه هذه المنصات وإعادة الاعتبار لحرمة البيوت المغربية وصيانة طفولة أجيال المستقبل.


















