المرأة العاملة في مجتمعنا المغربي مجرد اختيار شخصي أو رغبة في تحقيق الذات .
لم يعد خروج المرأة إلى العمل في مجتمعنا المغربي مجرد اختيار شخصي أو رغبة في تحقيق الذات، بل أصبح في كثير من الأسر ضرورة فرضتها متطلبات الحياة وغلاء المعيشة وتزايد الأعباء المادية، حتى غدت المرأة تخرج صباحا لتتقاسم مع زوجها مشقة توفير لقمة العيش، ثم تعود إلى بيتها لتبدأ رحلة أخرى من العمل، وكأن ساعات يومها لا تنتهي، وكأن التعب كُتب عليها وحدها دون سواها.
إن المأساة الحقيقية لا تكمن في عمل المرأة خارج البيت، ولا في سعيها إلى مساعدة زوجها وتحسين ظروف أسرتها، فعملها حق من حقوقها، ومساهمتها في الاستقرار المادي للأسرة أمر يستحق التقدير والاحترام، وإنما تكمن المعضلة في اختلال مفهوم الشراكة الزوجية، حين يتحول خروج المرأة للعمل إلى إضافة مسؤولية جديدة فوق مسؤولياتها القديمة، دون أن يقابله أي تغيير في نظرة بعض الأزواج إلى أدوارهم داخل الأسرة.
فما إن تعود المرأة من عملها، منهكة الجسد مثقلة الفكر، حتى تجد نفسها أمام قائمة أخرى من الواجبات التي لا تنتهي: إعداد الطعام، وتنظيف البيت، وغسل الملابس، ورعاية الأطفال، ومتابعة دراستهم، والاهتمام بتفاصيل الحياة اليومية. وفي المقابل، قد يعتقد الزوج أن انتهاء ساعات عمله يعني انتهاء مسؤولياته، وأن أعمال البيت شأن نسائي خالص، لا يعنيه ولا يستوجب مشاركته.
وهنا تتجلى المفارقة المؤلمة: امرأة تخرج لتساعد زوجها في تحمل أعباء الحياة، ثم تعود لتتحمل وحدها أعباء البيت أيضا، وكأنها مطالبة بأن تكون موظفة ناجحة، وزوجة مثالية، وأما حاضرة، ومدبرة منزل لا تعرف التعب ولا تشتكي الإنهاك. فمتى تستريح هذه المرأة؟ ومتى تجد وقتا لنفسها؟ ومتى يُسمح لها بأن تكون إنسانة لها طاقة محدودة واحتياجات ومشاعر؟
إن هذا الوضع لا يرهق المرأة جسديا فحسب، بل يستنزفها نفسيا وعاطفيا، ويجعلها تعيش تحت ضغط مستمر، بين تأنيب الضمير تجاه أبنائها حين تقصر في بعض احتياجاتهم، والشعور بالظلم حين تجد نفسها وحيدة في مواجهة مسؤوليات يفترض أن تكون مشتركة. ومع مرور الوقت، تتحول التفاصيل اليومية الصغيرة إلى بؤر للتوتر، وتتراكم مشاعر العتاب والاستياء، وتصبح أبسط المواقف سببا للخلافات الزوجية، وقد يتسلل الفتور إلى العلاقة التي كان من المفترض أن تقوم على المودة والرحمة والتفاهم.
والأخطر من ذلك أن بعض الأسر قد تدفع ثمن هذا الاختلال من استقرارها العاطفي والتربوي؛ فالطفل لا يحتاج إلى بيت نظيف وطعام جاهز فحسب، بل يحتاج أيضا إلى أبوين متفاهمين، وإلى أجواء يسودها الهدوء والحنان والتعاون. فالأسرة لا تُبنى بالمال وحده، ولا تستقيم بالتضحيات التي يقدمها طرف واحد، وإنما تحتاج إلى حضور متوازن ومسؤولية مشتركة.
ولعل ما ينبغي أن يدركه بعض الأزواج هو أن مشاركة الزوجة في المصاريف لا تعني إعفاءهم من واجباتهم المنزلية، وأن الرجولة لا تُقاس بمدى القدرة على توفير المال فقط، بل تتجلى أيضا في تحمل المسؤولية، ومساندة الزوجة، والوقوف إلى جانبها حين يثقلها التعب. فالبيت ليس مملكة المرأة وحدها، ولا أعباءه ضريبة تدفعها لمجرد أنها امرأة، بل هو فضاء مشترك، ومسؤولية مشتركة، وحياة لا يمكن أن تستقيم إلا بتعاون طرفيها.
كما أن على المرأة ألا تعتبر مطالبتها بالمساعدة تقصيرا في واجباتها، ولا أن تنظر إلى طلبها للتعاون باعتباره انتقاصا من مكانتها أو إخلالا بدورها الزوجي. فمن حقها أن تعمل، ومن حقها أن ترتاح، ومن حقها أن تجد شريكا يخفف عنها أعباء الحياة، لا أن يضيف إليها أعباء أخرى.
إننا اليوم في حاجة إلى مراجعة عميقة لثقافة الأسرة، وإلى الانتقال من منطق توزيع الأدوار القائم على العادات الجامدة إلى منطق الشراكة القائمة على الإنصاف والتفاهم. فليس المطلوب أن يتخلى الزوج عن دوره، ولا أن تتخلى الزوجة عن دورها، وإنما أن يفهم كل منهما أن نجاح الأسرة مسؤولية مشتركة، وأن التعاون ليس فضلا يمنحه أحدهما للآخر، بل واجب تفرضه رابطة الزواج وميثاق المودة والرحمة.
وفي النهاية، لعل أبلغ ما يمكن أن نقوله هو أن المرأة لم تخرج من بيتها لتعود إليه محملة بضعف ما كانت تتحمله، ولم تشارك زوجها في بناء الاستقرار المادي للأسرة لتجد نفسها وحيدة في بناء استقرارها الداخلي. إنها لم تطلب أن تعفى من المسؤولية، بل أن تجد من يشاركها حملها. فالزواج ليس أن يتعب أحدهما ليستريح الآخر، وليس أن يضحي طرف ليظل الطرف الثاني بمنأى عن التضحية؛ بل هو أن يتقاسما تعب الطريق، كما يتقاسمان ثماره. لأن البيت الذي تتقاسم فيه الأيدي المسؤوليات، تتقاسم فيه القلوب أيضا الطمأنينة، أما البيت الذي يحمل فيه طرف واحد كل الأعباء، فقد يظل قائما بجدرانه، لكنه قد يفقد شيئا فشيئا روحه ومعنى الأسرة فيه.


















